الأب بين الأمان والخطر
د. براء الصقور
في زحمة الأخبار التي تمرّ علينا كل يوم، هناك أخبار لا تُقرأ… بل تُوجع.
أخبار تهزّ شيئًا عميقًا داخلنا، وتدفعنا نسأل: إلى أين وصلنا؟
أيُّ قلبٍ ذاك الذي يتحمّل أن يسمع عن أبٍ يطعن أبناءه؟
أيُّ زمنٍ هذا الذي أصبح فيه مصدر الأمان هو ذاته مصدر الخطر؟
الأب… ليس مجرد كلمة.
الأب هو أول معنى للقوة نعرفه، وأول حضن نشعر فيه بالأمان.
هو السند حين تميل الدنيا، والعزوة حين تضيق بنا الطرق.
هو الذي يُخفي تعبه ليُظهر لنا الطمأنينة، ويكتم خوفه ليزرع فينا الشجاعة.
هو الحنون، حتى وإن لم يُحسن التعبير… هو الأمان حتى وإن قسى صوته أحيانًا.
فكيف ينقلب هذا الدور؟
كيف يتحول الأب من درعٍ يحمي… إلى خطرٍ يُخيف؟
منذ متى صرنا نسمع مثل هذه الأخبار؟
منذ متى أصبحت القسوة بهذا الشكل؟
ومنذ متى استطاع الغضب والخلافات الاسرية تمحو إنسانية الإنسان، وتُطفئ فطرته، وتُعمي بصيرته إلى درجة أن لا يفرّق بين فلذة كبده وعدوه؟
الغضب والخلافات الاسرية لا تسرق العقل فقط…
بل تسرق الرحمة، وتُميت الضمير، وتُشوّه المعنى الحقيقي للعائلة.
لكن السؤال الأهم:
من أبناؤنا؟ ومن نكون نحن لهم؟
أبناؤنا ليسوا مجرد مسؤولية…
هم أمانة.
هم امتدادنا، وصورتنا التي ستبقى بعدنا.
هم بحاجة إلى أبٍ يحتويهم، لا يُخيفهم…
إلى أبٍ يسمعهم، لا يُقصيهم…
إلى أبٍ يكون لهم وطنًا صغيرًا، حين يضيق بهم العالم.
ما حدث ليس مجرد حادثة…
بل ناقوس خطر.
يدعونا أن نراجع أنفسنا، وننتبه لما يدخل بيوتنا، وما يؤثر على عقولنا، وما يُهدد إنسانيتنا.
لأن الأب… يجب أن يبقى أبًا.
أمانًا… لا خوفًا.
سندًا… لا وجعًا.