توقعات باستخدام الذكاء الاصطناعي لمراقبة نوعية المياه ومنع الاعتداءات
الواقع المائي يعد أحد أكثر التحديات التي تواجه الأردن، إذ يُعد الأردن من أفقر دول العالم بالمياه. وبتوجيهات من جلالة الملك عبدالله الثاني، انتهج الأردن عددا من السياسات لتحقيق الأمن المائي من أبرزها مشروع الناقل الوطني. في حوار عبر الذي ينشر ورقيا وعبر كافة منصاتها الرقمية، تحدث أمين عام وزارة المياه وأمين العام سلطة المياه الأسبق والخبير في قطاع المياه المهندس إياد الدحيات حول تفاصيل هامة عن الواقع المائي للمملكة، والناقل الوطني، والتحديات المائية وغير ذلك الكثير في الشأن المائي.
قبل أيام ترأس جلالة الملك عبدالله الثاني، اجتماعاً للاطلاع على إجراءات الحكومة استعدادا لتنفيذ مشروع الناقل الوطني للمياه.. ما أهمية هذا اللقاء؟
يوجه جلالة الملك دائماً بأهمية تعزيز الأمن المائي في الأردن، كونه أهم مرتكزات الأمن الوطني الأردني، ودائماً جلالة الملك على اطلاع على الواقع المائي في الأردن، ويرأس جلسات من فترة إلى أخرى فيما يخص الملف المائي وفيما يخص مشروع الناقل الوطني تحديداً خلال الفترة السابقة.
رؤية التحديث الاقتصادي التي تم إطلاقها عام 2022 أشارت إلى أهمية لجوء الأردن إلى مصادر مياه غير تقليدية وأهمها تحلية مياه البحر، باعتبارها المصدر المائي المستدام الذي يضمن حقوق الأجيال ويضمن حصول كافة القطاعات والتنمية الاقتصادية والنمو الاقتصادي في كافة المملكة.
ولا نستطيع أن نعتمد على مصادر المياه التقليدية بشكل استراتيجي، وهنا تكمن أهمية مشروع الناقل الوطني، فهو مشروع هام واستراتيجي سيشكل حجر الزاوية في تحقيق مؤشرات الأمن المائي خلال السنوات القادمة، وأنا أعتبره بداية تجربة الأردن مع مشاريع التحلية.
شهد رئيس الوزراء الدكتور جعفر حسان في رئاسة الوزراء قبل أيام التوقيع على الاتفاقية الفنية القانونية النهائية لمشروع الناقل الوطني تمهيدا لإبرام الغلق المالي في شهر تموز المقبل، وبدء الأعمال الإنشائية وأعمال الحفر في الصيف المقبل، بكلفة رأسمالية تقدر بقرابة 4.3 مليار دولار، فيما تصل الكلفة الكلية للمشروع إلى قرابة 5.8 مليار دولار، بما فيها كلف التمويل.. ما قراءتكم لأهمية هذا الإنجاز المائي الحكومي الذي يأتي تنفيذا لتوجيهات جلالة الملك؟
المشروع الحالي الذي تم إطلاقه من خلال توقيع الاتفاقية الفنية والقانونية النهائية هو فقط نقطة البداية باعتقادي، بالاعتماد على مصادر مياه غير تقليدية. المشروع مبني على مبدأ الشراكة ما بين القطاعين العام والخاص من خلال العلاقة ما بين الحكومة الأردنية والمطوّر العالمي ائتلاف شركه مريديم، وفي مشاريع الشراكة للحصول على تمويل لمشروع مكلف ماليا، وللحصول على تكنولوجيا متخصصة، وفي هذه الحالة هي تكنولوجيا تحليه مياه البحر.
وجّه جلالة الملك خلال ترؤسه لاجتماع الناقل الوطني قبل أيام، بضرورة أن تضع الحكومة المواطن بصورة تفاصيل المشروع.. ما أهمية هذا النهج؟
أن تضع المواطن كنوع من أنواع المسؤولية وتأخذ القرار ولا يكون هناك تردد في اتخاذ القرار أو تأخير في اتخاذه، لأن الموضوع المائي آني، يومي، سنوي، بالتالي لا يوجد مجال إلا أن تعمل وتخرج الحلول وتصارح وتكاشف المواطن عن المشاكل وما الحلول التي تتبعها الحكومة لحلها.
هل هي المرة الأولى التي نلجأ فيها لمثل هذا النوع من تحلية مياه البحر؟
نعم، بهذا الشكل هذه أول مرة يلجأ الأردن فيها لذلك. والمميز في مشروع الناقل الوطني هو أنه نظام مائي فريد من نوعه في العالم، كونه يحتوي على عدد مهم من المكونات: على محطة التحلية وعلى منظومة نقل المياه من الجنوب الى الشمال مرورا بمحافظات الوسط وعلى محطة الطاقة المتجددة، وكذلك فإن البنوك الأردنية، التي هي شركات مساهمة عامة، ستستثمر أموال الأردنيين من خلال التجمع البنكي في المشروع. صندوق استثمار أموال الضمان الاجتماعي وضع 15% في قيمه المشروع، بالإضافة إلى المنح التي وفرتها الحكومة الأردنية. ومهم أن نشرك المواطنين، لأن المشروع استراتيجي وهام ومردوده جيد للمحافظ الاستثمارية، وحتى يشعر الأردني بأن هذا فعلا مشروع سيادي وطني.
نريد التحدث عن تفاصيل المشروع، بداية لماذا مشروع الناقل الوطني، حيث إن المشروع سيجوب المملكة؟
الناقل الوطني يأتي لأن لدينا عجزا مائيا يتفاقم مع مرور الأيام، لدينا حوالي 400 مليون متر مكعب من المياه، العجز المائي بين المتاح وما بين المصادر المتوفرة وما بين الطلب على المياه، الـ 400 مليون مقسمة على 260 مليونا احتياجات الشرب و 140 مليونا احتياجات الزراعة، فبناء عليها مشروع النقل الوطني سيقوم بالتحلية وتوفير مياه الشرب بكمية 300 مليون متر مكعب، وهي كمية مهمة جدا تشكل حوالي 40% إلى 50% من احتياجات الشرب في المملكة، وفي نفس الوقت تتضمن نسبة مأخوذة على البحر ومحطة تحلية، فمقابل كل متر نستخرج تقريبا من 40 إلى 43 % للتر من مياه الشرب، والباقي عبارة عن مياه مرفوضة ستذهب إلى البحر، فهذه هي خاصية تكنولوجيا التناضح العكسي.
وبعد أن نحصل على هذه المياه سيتم ضخها من خلال مجموعة محطات ضخ وخط ناقل بطول 450 كيلومترا سيسير من محافظات الجنوب ومحافظات الوسط حتى يصل إلى العاصمة عمان. وحتى يصبح المشروع مؤثرا بيئيا ونحصل على التمويل الذي حصلنا عليه من صناديق المناخ الأخضر وغيرها، سيتم الاعتماد على محطه طاقة متجددة شمسية توفر 30% من احتياجات محطة التحلية، أي سبع ساعات في اليوم تقريبا من احتياجاتنا.
المشروع سيؤثر على كافة المحافظات بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، بمعنى أن الـ300 مليون ستتوزع بين المحافظات، ومصادر المياه الحالية في المحافظة التي نرى أن حصة الفرد فيها ارتفعت بشكل قياسي يتم إعادة تخصيصها أو توزيعها للمحافظات الأخرى المنتشرة في المملكة.
وأعتبر أن 300 مليون مرحلة أولى منه، ونحن نسميه مشروعا استراتيجيا سيحل مشكلة المياه جذريا، فبعد انتهاء المشروع في 2030 سنحصل على 300 مليون، خلال هذه الفترة أعتقد أن الحكومة ممثلة بوزارة المياه ستضع الخطط حول كيفية القيام بتوسعة المشروع أو بعمل مشروع مماثل بحيث نبقى نقوم بعمل محطات تحلية، لأن الهطول المطري، ولله الحمد، هذا العام كان عام خير، لكننا لا نستطيع أن نؤسس الاعتماد عليه للمستقبل، فأهمية المشروع تكمن أن المورد المائي مستدام ومستمر، والجميل في المشروع أن نتيجة استهلاك مياه الشرب سينتج عنها مياه صرف صحي، ومياه الصرف الصحي بعد المعالجة سيتم خلطها مع مياه سطحية في السدود وبالتالي توسيع الرقعة الزراعية في وادي الأردن، وبالتالي نزرع دونمات إضافية ونخلق من خلالها فرصا ونحقق الأمن المائي الأردني.
المؤشرات الرئيسية المرتبطة بالمشروع مهمة جدا، فعندما نرفع حصة الفرد بنسبة 100%، من 60 إلى 120 متر مكعب سنويا، وعندما نعمل على أساس زيادة ساعات التزويد المائي بدلا من يوم في الأسبوع إلى ثلاثة أيام في الأسبوع، سيشعر المواطن بذلك مباشرة. خلال السنوات السابقة، نظرا للتغير المناخي تأثرت السدود، وبالتالي تأثرت كميات المياه المتوفرة، وأصبح المواطن يستعين بصهاريج المياه وأصبح يخصص جزءا كبيرا من دخله لدفع أثمان المياه.
إذاً، لماذا تأخر المشروع؟
الأردن استثمر عددا كبيرا من السنوات في محاولة إنجاز مشروع «ناقل البحرين»، وهذا كان مشروعا معقدا جدا، كونه يضم إسرائيل وفلسطين والأردن، وبالتالي لم تتم عملية التوافق في المشروع، وفي عام 2018 عندما توقف مشروع ناقل البحرين، وهو المشروع الإقليمي، وجّه جلالة الملك عبدالله الثاني بكلام واضح جداً بأننا نريد خيارا أردنيا للتحلية، فبدأت العملية منذ عام 2018، وكنت وقتها أمينا عاما لوزارة المياه وأمينا عاما لسلطة المياه.
بدأت عمليه تطوير المشروع ولكن للأسف اصطدمنا بفترة كورونا، فتوقف كل شيء في عام 2020- 2021 ولكن بعد عام 2021 ومع صدور رؤية التحديث الاقتصادي التي تشرفت بالمشاركة فيها، أجمع كل خبراء المياه الذين شاركوا بأنه يجب أن نسير في عملية التحلية، والسعي لشراكة مع ائتلافات دولية.
التحلية كمحطة ليست مكلفة، ولكن نظام الناقل الوطني فريد من نوعه، تسعى الحكومة لتنفيذه بجهود ضخمة وهامة، فهو عبارة عن محطة تحلية ومنظومة نقل من جنوب الأردن إلى شماله مع محطة طاقة متجددة، فنحن كأننا نستثمر في المستقبل من الآن ونؤسس للنظام المائي بشكل متكامل، بحيث عندما نلجأ للتوسعة الأولى والثانية والثالثة مستقبلا سنجد المكونات جميعها جاهزة وموجودة ونبني عليها بزيادة كمية الـ 300 مليون.
إلى أي حد يعزز المشروع السيادة الأردنية السياسية، المائية، الاقتصادية؟
المشروع سيادي بامتياز، فهو ليس فقط مشروعا يوفر المياه داخل حدود المملكة من مصدر مستدام. الفرص الاقتصادية قائمة نتيجة تزويد المياه للقطاعات المختلفة، المياه المعالجة للقطاع الزراعي، والمصانع التي سيتم إنشاؤها، والشباب الذين سيتم تدريبهم مستقبلاً، وتكنولوجيا التحلية التي سنقوم بتوطينها في الأردن على أساس أن المهندس والطالب والعالم الأردني يعرف ما أساسيات التكنولوجيا لغاية التحلية، ففي المستقبل عندما يتعلمها سواء في مرحلة التصميم أو مرحلة تشغيل المشروع فإن الأردني سيجد عملا داخل الأردن وخارجه، ونستطيع بناء تكنولوجيا تحلية خاصة في دول مثل الأردن تعتمد على مياه جوفية مالحة، وبالتالي فهو مشروع سيادي خصصت الدولة الأردنية الموارد المالية والموارد البشرية لإنجازه.
عندما نتحدث عن قطاع المياه نجد أنه قطاع مركب ويضم أكثر من قطاع، فلا نتحدث فقط عن المياه بل عن المياه والطاقة والزراعة والثروة الحيوانية.. ما هي انعكاسات الناقل الوطني على هذه القطاعات؟
المياه تتقاطع مع كافة مراحل الاقتصاد والمعيشة للمواطن الأردني، فإذا تحدثنا عن الطاقة هناك مكون مهم جدا لتزويد المشروع بالطاقة سواء في محطة الطاقة المتجددة أو من خلال الشبكة الوطنية، من خلال شركه الكهرباء الوطنية، أو شركات التوزيع التي عليها جزء في المشروع بأن تبني محطات التحويل والجهد العالي، طاقة الجهد العالي التي ستزود المشروع بـ 70% من احتياجاته، لأن 30% من احتياجات المشروع ستكون الطاقة المتجددة.
لدينا أيضا الزراعة التي ستستفيد من جزء من المياه المعالجة في وادي الأردن لتوسيع الرقعة الزراعية وتشغيل العمالة والأمن الغذائي وتعزيز كميات إنتاج المحاصيل السنوية.
ولدينا القطاعات التي لها علاقه بالمقاولات، وسيتم إنشاء مصنع للأنابيب لتزويد نصف احتياجات المشروع، فهذه وحدها فرصة استثمارية هامة في المشروع ظهرت كناتج فرعي منه. نفس الأمر لمن سيعملون من أبناء المجتمعات المحلية ومن سيزودون المشروع باحتياجاته من الإسمنت وغيره.
هل واقع السدود في المملكة يعتبر حلا لجزء من المشكلة المائية؟
بالتأكيد، فالسدود مهمة جدا لتجميع مياه الأمطار. معظم السدود لدينا باستثناء سد الوحدة هي سدود تجميع مياه أمطار، بمعنى أنها تعبأ خلال موسم الشتاء ونستغلها خلال موسم الصيف، فنحن نعتمد على مياه الأمطار في تجميعها في السدود، لكن هذا الأمر لا نستطيع التنبؤ بجودته دوما، فهذا العام فاضت السدود بنسبة هطول مطري كانت 140 إلى 145%، لكن العام القادم لا نستطيع التنبؤ ما الذي سيحدث.
بالنسبة لسد الوحدة فهو مختلف تماما، فهو موجود على نهر اليرموك، ونهر اليرموك حكمته اتفاقية مشتركة مع الجانب السوري من عام 1987، وكان هناك عدم فهم لموضوع التغير المناخي، والاتفاقية نفسها لم تتطرق لموضوع المياه الجوفية، لكن الآن هناك جهود ممتازة تبذل بعد مباحثات جلاله الملك والرئيس السوري، والتأسيس للنهج الاستراتيجي الجديد بين الأردن وسوريا، فسيصبح هناك تبادل معلومات وتشخيص لواقع حوض نهر اليرموك، وبالتالي كل ذلك سيؤسس لاتفاقية جديدة باعتقادي بناء على المعطيات الحالية، وبناء على ما تم استغلاله وبناء على الحصة العادلة لبلد مصب وبلد منبع وهما الأردن وسوريا.
هل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يدخل في هذا المجال؟
بالطبع، الذكاء الاصطناعي دخل في مرافق المياه من فترة طويلة، في محطة التحلية نفسها، ومراقبة نوعية المياه في البحر والمياه المرفوضة التي سيتم طرحها في البحر الأحمر، جميعها سيتم متابعتها إلكترونيا، والذكاء الاصطناعي سيكون موجودا على 435 كيلومترا من الأنابيب لمنع الاعتداءات.