العيسوي.. الجندي الذي هزم العمر بعطائه

بقلم:أحمد خليل القرعان

قد يتساءل البعض عن سبب اختياري لرئيس الديوان الملكي يوسف العيسوي ليكون فارساً لسطور مقالي، فلا تتعجبوا سيأتيكم الجواب بين ثنايا المقال دون الحاجة إلى توضيح او تفسير.

بداية دعوني أترحم على الأمير زيد بن شاكر الذي قدمّ هذا الرجل للاردنيين عندما كان برتبة نقيب بالجيش ، ليعمل بمعيته 
عندما اختاره سيد البلاد ليكون رئيساً للديوان عام ١٩٨٩، حتى أصبح منارة لمن ظل الطريق.

ولأنني رأيت فيك يا أبا حسن نموذج الذين هزمـوا اليأس والسِن، سأُبحر في أعماق نفسك ، التي لم تحاصرها قيود اليأس، وأنت تنطلق كالرهوان بأرجاء الوطن بأمر سيدنا للاطمئنان والتعزية وتقديم الخدمة للأردنيين.

فدعني يا أبا حسنا قطف من بساتين الحكماء مثلك رحيق تجارب، وصدق أقوال صقلتها أعاصير المعاناة التي واجهتها في بواكير 
حياتك، فسكبوها لنا بكل أمانة في كؤوس وطنية من الحكمة وصدق القول والفعل معاً.

فقد أردت بمقالي هذا، أن أبعث برسالة صادقة لكل مواطن اردني استسلم يوماً لليأس والفشل، وربط العطاء بسن معينة، فكان أبا حسن قصة معطاءة على كل أردني ان يتأملها، لأن بها من العطاء ما يمنح كل نفس متشائمة لبصيص نور يضيء لها درب الحياة.

فقد يكون العيسوي هو الأردني الوحيد منذ نشأة الدولة الأردنية السياسية، الذي حقق حلمه بعد الرابعة والسبعين، ولا يزال يزرع بالأرض وفاءً وعطاءً يعجز عنه شباباً بالاربعين، أدام الله عليه الصحة والعافية. 
ولأَن العظماء ليس شرطاً أن يكونوا ممن رست سفن التاريخ على موانئ حياتهم مبكراً، سجلت لك يا أبا حسن تلك الشهادة المستمدة من أرض الواقع، والتي لا يختلف عليها اثنان من الأردنيين.
فلقد جعلت للديوان هيبة، فأصبح بعهدك بيتاً للاردنيين، كما أراده سيد البلاد، بعد أن كنا نسمع بتلك العبارة، ولا نحس بها او نراها.

شارفت على السنة الثامنة من العمل كأطول مدة لرئيس ديوان ملكي، فكنت ولا زلت ذلك الجندي الصادق والانسان البسيط، الذي طغى على شخصيته التواضع، وأجزم بحكم التجربة والخبرة بأنك قمت بعمل عجز عنه كل سابقيك مجتمعين، فلا يوجد منطقة في الأردن، إلا وكان لك بصمة فيها، ولا يكاد يمر يوماً دون أن تستقبل فيه زوار سيدنا في بيته بيت الأردنيين، على حساب راحتك، ودون ان تقول يوماً آآخ.

نعم لقد كنت يا أبا حسن إنساناً بسيطاً في نظر الآخرين، ولكنك مع الايام اثبت لنا جميعاً بإنك حصان سباق، لا يستسلم أبداً لأعاصير اليأس والفشل، فاعتمد عليك راعي المسيرة، كما لم يعتمد على احد غيرك ممن سبقوك، لأنه رأى فيك الصدق والأبوة والاخلاص والوطنية والقرب من الشعب بتواضع مستمد منه، فنقلت الصورة من الشعب إلى مليكهم، ومنه إلى الشعب بأمانة وموضوعية، فارتاح باله لوجودك مُعيناً له على يمينه.

فكنت الأصدق في نقل الرسالة لأنك تربيت بمدرسة الجيش، فبقيت على العهد درعاً وسيفاً، ولساناً دافئاً، يحمي ولا يُهدد، ويحتمي به الاردنيون،فحزت على ثقة زعيم الجيش وقائد المسيرة. 

فلقد غرست فيك الجندية الروح التي تتقدم إلى الأمام رغم العواصف والرياح العاتية، فلم تنتظر يوماً الضوء ليشرق من بعيد، فكنت أنت الضوء الذي يكسر القيود،لإيمانك بأنه لا قيمة للأقدام التي تتعثر، فصنعت عظمة حياتك من التعب، ومن الجهد المستمر، ومن الإيمان الذي لا يهتز، ومن الصبر الذي لا ينفذ، فالفجر لا يُولد إلا من عتمة الليل.

ستون عاماً وأكثر، وانت تحمل فى باطن أيامك قصة خلدتها اغنية الوطن:"فدوى لعيونك يا اردن"، فعانقت شمس الأردن التي لا تغيب، فشموخ النخلة لا ينحني مع السنين، رغم ثقل قطوف البلح على اغصانها. 

اختم بقولي يا أبا حسن بأن كثيرون مروّا من هنا، ولكن قليلون الذين نفضوا عن طريقهم غبار اليأس، فاستحقوا ان نتوقف عندهم طويلاً، وحسبي انك واحدٌ منهم.
تعبت فنلت ثقة سيد البلاد، واحترام العباد، وصدق فيك الشاعر بقوله:

بيوتُ العزِّ يبنيها الكرامُ
وبالأخلاقِ يرتفِعُ المَقامُ
فكم من روح يا أبا حسن قد تمردت على الزمان والمكان، فصارت هي نفسها الزمان والمكان.

فمن يزرع الطيب سيحصد يوماً للجنازة أكتاف، فلغة الأرقام يا أبا حسن لا تكذب.