سكة العقبة… استثمار كبير وتحدٍ أكبر
عوني ذنيبات
أعلنت الحكومة الأردنية توقيع اتفاقية مع الإمارات العربية المتحدة لتنفيذ مشروع سكة حديد يربط مواقع إنتاج الفوسفات والبوتاس في الجنوب بميناء العقبة، باستثمار يُقدّر بنحو 2.3 مليار دولار، وبطول يقارب 360 كيلومترًا، وبطاقة نقل سنوية متوقعة تصل إلى 16 مليون طن، وفق ما أوردته وسائل إعلام رسمية وخاصة.
من منظور اقتصادي تطبيقي، يندرج المشروع ضمن استثمارات البنية التحتية ذات الأثر المضاعف (Multiplier Effect)، حيث لا تقتصر عوائده على قطاع النقل، بل تمتد إلى تحسين كفاءة سلاسل الإمداد (Supply Chains) وتقليل كلف اللوجستيات، التي تُعد عنصرًا حاسمًا في القدرة التنافسية للاقتصادات النامية. وتشير الأدبيات الاقتصادية إلى أن تخفيض كلف النقل بنسبة 10% يمكن أن ينعكس بزيادة ملموسة في حجم التجارة، خاصة في القطاعات كثيفة الوزن مثل التعدين.
في الحالة الأردنية، يمثل نقل الفوسفات والبوتاس نسبة كبيرة من حركة الشحن إلى الميناء، وهي سلع ذات كثافة وزنية عالية وتكلفة نقل مرتفعة نسبيًا. وعليه، فإن التحول من النقل البري إلى النقل السككي يُتوقع أن يخفض الكلفة الحدّية (Marginal Cost) لكل طن منقول، ويزيد من كفاءة التشغيل عبر تقليل الفاقد الزمني واللوجستي، ما ينعكس مباشرة على هوامش الربحية وقدرة التصدير.
كما أن المشروع يعالج ما يُعرف باختناقات البنية التحتية (Infrastructure Bottlenecks)، والتي تظهر في الاعتماد المفرط على الشاحنات، وما يترتب عليه من ارتفاع في كلف الصيانة، واستهلاك الطرق، وزيادة الحوادث، إضافة إلى الآثار البيئية المرتبطة بالانبعاثات. النقل السككي، وفق المعايير الدولية، يُعد أكثر كفاءة في استهلاك الطاقة وأقل كلفة لكل وحدة منقولة على المسافات الطويلة.
على المستوى الكلي (Macroeconomic Level)، يمكن قراءة المشروع كجزء من استراتيجية لرفع الإنتاجية الكلية لعوامل الإنتاج (TFP)، من خلال تحسين كفاءة عنصر النقل، وهو ما ينعكس على النمو الاقتصادي طويل الأجل. كما أن وجود شريك استراتيجي بحجم الإمارات يعزز من تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر (FDI)، ويقلل من المخاطر التمويلية عبر نماذج الشراكة بين القطاعين العام والخاص (PPP).
ومع ذلك، فإن تحقيق هذه العوائد يبقى مشروطًا بعوامل مؤسسية حاسمة، أبرزها كفاءة الحوكمة، ووضوح الإطار التنظيمي، والقدرة على الالتزام بالجداول الزمنية. فالدراسات المقارنة تُظهر أن التأخيرات في مشاريع البنية التحتية الكبرى تؤدي إلى تضخم الكلف (Cost Overruns) وتآكل العائد الاقتصادي المتوقع.
سياسيًا-اقتصاديًا، يحمل المشروع بعدًا استراتيجيًا يتمثل في إعادة تموضع الأردن كممر لوجستي إقليمي، خاصة إذا ما تم ربط هذه الشبكة مستقبلًا بممرات إقليمية أوسع. إلا أن هذا السيناريو يتطلب تكاملًا مع سياسات تجارية وصناعية داعمة، وليس الاكتفاء بالبنية التحتية كعامل منفرد.
في المحصلة، يمكن توصيف مشروع سكة العقبة كمشروع عالي الجدوى النظرية، يعتمد نجاحه الفعلي على كفاءة التنفيذ المؤسسي. فإذا ما تم إنجازه ضمن الإطار الزمني والمالي المخطط، فمن المرجح أن يحقق أثرًا إيجابيًا ملموسًا على كلفة النقل، والتنافسية التصديرية، والنمو الاقتصادي. أما في حال تعثره، فإن الفجوة بين الجدوى النظرية والتطبيق العملي ستبقى التحدي الأبرز في مسار التنمية الاقتصادية في الأردن.