المعمول القديم حين يهزم البدلة الرسمية
الدكتور نضال المجالي
في زاوية منسية من كل سوبر ماركت، يقف ذلك "المعمول بالتمر” القديم، مغلفا بكيس شفاف لا يحمل اسما ولا شعارا ولا حتى تاريخ إنتاج يطمئنك أنك لن تدخل في مغامرة غير محسوبة. قطعة متواضعة، بلا هوية تسويقية، بلا إعلان، بلا وعود براقة… ومع ذلك، كانت—ولا تزال—الخيار الأكثر صدقا منذ ايام الطفولة وحتى اليوم.
لم نسأل يوما عن مصدرها، ولا عن شهاداتها، ولا عن "برنامجها السياسي” بقدرتها على اقناعنا إن صح التعبير. كنا نختبرها مباشرة: لقمة واحدة تكفي للحكم. إما أن "تزبط”، أو تُترك بصمت. لا لجان، لا تبريرات، ولا مؤتمرات صحفية تشرح لماذا خذلتنا.
لكننا كبرنا… وتورّطنا فيما نسميه "الوعي”. صرنا نبحث عن العلب اللامعة، عن الأسماء الثقيلة، عن التغليف الذي يقنعك أنك أمام منتج استثنائي حتى قبل أن تفتحه. أصبحنا نشتري الانطباع، ونؤجل الحقيقة. نشتري البدلة… ونؤجل الإنسان.
وهنا، تخرج القصة من السوبر ماركت إلى الشارع، ثم إلى المكاتب، ثم إلى المنصات.
في "صناعة المسؤولين والسياسيين”، يبدو أن بعض النماذج خضعت لعملية إعادة تغليف شاملة. شخص بدأ حياته واضحا، صريحا، أقرب إلى ذلك المعمول المكشوف: يقول ما يفكر به، ويقف حيث يؤمن. لكن ما إن ارتدى البدلة الرسمية - واقصد المنصب-، حتى تغيّر الطعم.
اللغة أصبحت مصقولة أكثر من اللازم، والمواقف أصبحت قابلة لإعادة التدوير، والخطاب صار يُفصَّل على مقاس المصلحة الخاصة. من كان بالأمس حادا في حماية المواطن من الخلل، صار اليوم ناعما في تبريره. من كان يتحدث بلسان الشارع، أصبح يتحدث بلسان البيانات الرسمية. ومن كان "حزبيا” يحمل فكرة، أصبح "وزيرا” او رئيس مجلس أداره يحمل ملفا… وقد لا يحمل الفكرة نفسها.
والأمر لا يتوقف عند الأشخاص، بل يتعداه إلى الفكرة نفسها: كيف يمكن للموقف أن يبدّل جلده بهذه السهولة؟ كيف تتحول القناعات إلى "إصدارات محدثة” مع كل موقع جديد؟
الإجابة، على ما يبدو، تكمن في سحر التغليف.
لكن، كما علّمنا المعمول القديم، التغليف لا بشبع.
فعندما نختبر الواقع—لا التصريحات—نكتشف أن كثيرا مما يُقال لا يترك أثرا، ولا يُشبع حاجة، ولا يُقنع عقلا. نعود، رغما عنا، إلى المقارنة البسيطة: ما الذي كان يُقال قبل البدلة، وما الذي يُقال بعدها؟
وهنا تتكشف المفارقة التي تستحق التنبه. ليس كل تغليف زائفا، وليس كل مظهر خدعة. فهناك تغليف واحد، على الأقل، لم يفقد بريقه، ولم يتخلَّ عن هدفه، ولم يتغير بتغير المواقع أو المصالح: الزي العسكري.
ذلك الزي الذي لا يُقاس بلمعانه، بل بثباته. لا يتبدل خطابه، ولا يعيد تعريف دوره مع كل مرحلة. وجوده مرتبط بوظيفة واضحة: حماية، انضباط، والتزام. لا يحتاج إلى عبارات منمقة ليقنعك، ولا إلى حملات علاقات عامة ليبرر وجوده. هو، ببساطة، يفعل ما يقول—أو بالأدق، لا يقول كثيرا… لكنه يفعل.
في زمن أصبح فيه كل شيء قابلا لإعادة التغليف—حتى القناعات—يبقى الامتحان الحقيقي بسيطا: هل هناك أثر حقيقي؟ هل هناك "طعم” يمكن الوثوق به؟
لأن الناس، في النهاية، لا تعيش على التصريحات، ولا تُخدع طويلا بالبريق. الناس تبحث عمّا يُشبعها: فعلا، لا قولا.
ولهذا، سيبقى ذلك المعمول القديم—المجهول الاسم، الواضح الأثر—أكثر مصداقية وثقة من كثير من العلب الفاخرة… وربما من كل البدلات أصلا.