القرعان تكتب: في 16 نيسان .. فليستعد الأردنيون

د. دانييلا القرعان 

في كل عام، يمرّ يوم العلم في الأردن بوصفه مناسبة رمزية، لكن هذا العام يبدو مختلفاً في نبرته، وفي حجمه، وفي الرسائل التي يحملها. فحملة "علمنا عال” لم تُطرح كفعالية احتفالية عادية، بل كحالة وطنية شاملة، تكاد تتحول الحملة إلى خطاب عام يتجاوز المناسبة إلى ما هو أعمق. لكن اللافت أن التحضير هذا العام جاء مبكراً وبمشاركة واسعة من مؤسسات الدولة كافة، من الحكومة إلى الجيش والأمن العام وصولاً للجامعات والمدارس والمجتمع المدني، مع التأكيد أن الفعاليات ستكون استثنائية ومميزة وتمتد إلى جميع المحافظات وهذا بحد ذاته يؤشر الى أن الأمر لن يكون مجرد احتفال، بل إعادة إنتاج رمزية العلم كقاسم مشترك جامع في لحظة إقليمية مضطربة.

إنّ الحملة تدعو ببساطة إلى رفع العلم على البيوت والسيارات والصدور، لكن في العمق، بل محاولة لإعادة تعريف العلاقة بين المواطن ورمزه الوطني، فكلنا يعرف أن العلم ليس قطعة قماش بل اختصار لفكرة الدولة؛ تاريخها، شرعيتها واستمراريتها، بالتالي سيكون الإحتفاء بالعلم هذا العام مختلفاً - بحسب رأيي- لسببين أساسيين: السبب الأول، البيئة الإقليمية المشحونة، كون المنطقة تعيش توتراً غير مسبوق، من غزة إلى إيران، وكل دولة تحاول أن تُحصّن جبهتها الداخلية، في مثل هذه اللحظات، تتحول الرموز الوطنية إلى أدوات تثبيت نفسي وسياسي، تعيد التأكيد على وحدة الداخل مهما اشتد الخارج. أما السبب الثاني، تصاعد الخطاب المشكك والضاغط عبر الفضاء الرقمي، إذ لم يعد التحدي عسكرياً أو سياسياً فقط، بل أصبح سردياً أيضاً، لأن هناك للأسف روايات تُبث عبر وسائل التواصل بعضها ينتقد، وبعضها يُشكك، وبعضها يستهدف فكرة الدولة ذاتها، هنا أتت حملة "علمنا عال” كنوع من "الرد الناعم”، لا عبر المواجهة المباشرة، بل عبر تعزيز الشعور الجمعي والانتماء.

أما الأهم من كل هذا وذاك فهو تحوّل دور المواطن ففي السنوات السابقة كان المواطن متلقياً للاحتفال؛ يشاهد وربما يشارك بشكل محدود، أما اليوم، المطلوب منه أن يكون جزءاً من الفعل ذاته: أن يرفع العلم لا كإجراء شكلي، بل كإعلان موقف، وأن ينشر صورته مع العلم، ليكون جزءاً من المشهد العام، وأن يشارك أبناءه وأسرته في فهم معنى هذا الرمز ويحوّل المناسبة من "يوم” إلى "حالة”،

بمعنى آخر، كأن الدولة تقول للمواطن إن الهوية الوطنية لم تعد تُصان فقط بالمؤسسات بل أيضاً بالأفراد، هنا يكمن الفرق، فالحملة ليس رد فعل مباشر على حدث بعينه أو مجرد احتفال موسمي بل جزء من إدراك أعمق بأن المعركة اليوم ليس فقط على الأرض، بل على الوعي، وأن أقوى ما تملكه أي دولة ليس سلاحها، بل تماسكها الداخلي، لذلك، "علمنا عال” هذا العام ليس مجرد شعار، بل رسالة متعددة الاتجاهات: للداخل، أن نبقى متماسكين، للخارج، أن هذه الدولة مستقرة بهويتها، وللمواطن، أن له دوراً يتجاوز المتابعة إلى المشاركة، وفي لحظات تختلط فيها الأصوات، سيبقى رفع العلم فعلًا بسيطاً في شكله، عميقاً في معناه؛ كأنك تقول، دون خطاب طويل: نحن هنا، وما زلنا معاً.