مرحلة التفتيت بعد التقسيم!!
رشاد ابو داود
المهم ليس أنت مع إيران أو ضدها، وليس اعتبارك وطنيا أو غير وطني إن اخترت أن تقف مع هذا الطرف أو ذاك في الحرب الدائرة الآن. فهذه كلها تفاصيل قد تعتبر بسيطة رغم قنابل الطائرات وقصف الصواريخ والمسيرات. فالشيطان يكمن في التفاصيل.
هذا الشيطان تحدث عنه قبل أشهر توم باراك المبعوث الأميركي إلى المنطقة وبالتفصيل الواضح غير الممل بل هو ما نراه يجرى حاليا في المنطقة. وكان كلامه بمثابة إطار عريض باللون الأحمر لإعادة تقسيم الوطن العربي إمعانا في إضعافه، الضعيف أصلا، خدمة للمشروع الصهيوني النتنياهوي بإحكام السيطرة وتحقيق حلم إسرائيل الكبرى من ناحية، ومن ناحية أخرى تسلم عائدات النفط العربية باليد الأميركية مباشرة من دون اليد العربية الخليجية.
العنوان العريض للخطة الأميركية الصهيونية أن العرب «قبائل وقرى لا دول»!
ما يعني عدم الاعتراف بالدول القائمة حاليا، أو بعضها، وإقامة دول من فتات تقسيمها يدين ليس بالولاء بل بالتبعية العمياء لأميركا والخضوع للسيطرة الإسرائيلية.
يذكرنا باراك بكلام كونداليزا رايس التي أسست لما سمي الربيع العربي. قالت، مضى علينا ستون سنة ونحن ندعم الاستقرار على حساب الديمقراطية وقد حان الوقت لندعم الديمقراطية على حساب الاستقرار. وتعني بالاستقرار الأنظمة العربية.
هذا ما حصل. تخلصوا من حسني مبارك مصر وزين الدين بن علي تونس والقذافي ليبيا وعلي عبدالله صالح اليمن وصدام حسين العراق. لكن لا ديمقراطية تحققت ولا ازدهار انتشر ولا استقرار حصل، بل فوضى أسمتها رايس «خلاقة». وهي بالفعل خلاقة بمعنى خلقت مرحلة أولى لتفتيت العرب.
توم باراك جاء ليكمل المرحلة الثانية من المخطط المرسوم بدقة للوطن العربي. وذلك بتعبير ترمب «سلام القوة» ما يعني الاستسلام غير المشروط.
تصريحات المبعوث الأميركي التي قال فيها إن المنطقة العربية ليست دولًا بالمعنى الحقيقي بل «قبائل وقرى»، لم تُفهم بوصفها مجرد توصيف اجتماعي، بل باعتبارها قراءة سياسية تعكس جانبًا من الذهنية التي تنظر بها دوائر غربية نافذة إلى الوطن العربي.
فقد ربط بين نشوء الدول العربية الحديثة باتفاقات سايكس بيكو التي خططها الاستعمار البريطاني الفرنسي في القرن العشرين معتبراً أنها لم تنتج دولًا متماسكة بقدر ما جمعت جماعات إثنية وطائفية وقبلية داخل كيانات سياسية واحدة.
حين يصدر مثل هذا الكلام عن مسؤول أميركي في لحظة تشهد فيها المنطقة إعادة رسم توازنات كبرى، فإنه يوحي بأن واشنطن ما زالت ترى أن مفتاح التعامل مع المنطقة ليس عبر الدول فقط، بل عبر البنى الاجتماعية الأولية: القبيلة، الطائفة، الجماعة المحلية. وهذا يعيد إلى الأذهان سياسات قديمة اعتمدت على إدارة التناقضات الداخلية بدل دعم بناء الدولة الوطنية.
كما أن التصريح يلامس سؤالًا حساسًا: هل المقصود وصف واقع اجتماعي، أم تبرير لسياسات مستقبلية تقوم على التعامل مع الانقسامات الداخلية باعتبارها أمرًا بنيويًا دائمًا؟ لأن القول إن الولاء يبدأ من الفرد ثم العائلة فالقبيلة قبل الدولة، يحمل ضمنيًا استنتاجًا بأن الدولة العربية ما تزال مشروعًا غير مكتمل.
هنا تكمن الاجابة على تساؤل يبرز مع مجريات الحرب الحالية، لماذا تضغط أميركا على دول عربية للمشاركة الفعلية في الحرب على ايران وهي تعلم أن ايران سترد على اميركا ومصالحها لكن في الدول العربية وليس في الأراضي الأميركية؟