حين يتحوّل عدم الثقة إلى سياسة دولة

رامي رحاب العزّة 

في السياسة…

ليست كل الحقيقة تُقال في وقتها، لكنها تظهر… حين يُراد لها أن تُفهم.

منذ زمن…

كان موقف الملك عبدالله الثاني بن الحسين ثابتًا، واضحًا في قراءته، محسوبًا في توقيته.
لكن لم يكن كل ما يُعرف… يُعلن.

إلى أن جاء الاستفزاز…

فقالها الملك بوضوح عن بنيامين نتنياهو:
"أنا لا أثق به… ولا بسياساته.”

لم تكن جملة…

بل إعلان مرحلة.

ما قبلها لم يكن صمتًا…

بل إدارة دقيقة للضغط.

وما بعدها لم يكن تصعيدًا…

بل كشفًا لما كان قائمًا.

وهنا الخطأ…
أن البعض ظنّ الهدوء غيابًا،
ونسوا أن المواقف الحقيقية… لا تُعلن كلها.

فالملك…
لم يتخلَّ يومًا عن القضية الفلسطينية،
بل كانت حاضرة في كل خطاب، في كل لقاء، في كل مناسبة… كأولوية لا تقبل التأجيل.

وهو ذاته…
من وقف في وجه فكرة التهجير،
وعطّلها حين بدت ممكنة،
في لحظةٍ عجز فيها كثيرون عن الفعل… واكتفوا بالموقف.

وفي الميدان…
لم يكن الأردن متفرجًا:

كان أول من كسر الحصار،
وأول من أدخل المساعدات إلى غزة،
وأول من فتح أبوابه للجرحى والمصابين… ليُعالجوا على أرضه.

هذا ليس خطابًا…
بل فعلٌ يسبق الكلام.

لكن ما لا يُرى… أعظم.

هناك إرث هاشمي…
ليس شعارًا… بل عبء.

وصاية على القدس…
ليست لقبًا… بل مسؤولية يومية،
مكلفة سياسيًا… حين تُغضب،
ومكلفة أمنيًا… حين تُحاصر،
ومكلفة استراتيجيًا… حين ترفض أن تُساوم.

الملك لا يدير ملفًا…
بل يحمل تاريخًا…
وثقة أمة…
وخطًا أحمر اسمه القدس.

ولهذا…

لم يكن التصريح مجرد موقف من شخص،
بل من نهجٍ كامل يحاول تغيير الواقع،
وفرض معادلات جديدة بالقوة.

فكان الرد…
ليس بالصوت العالي،
بل برفع كلفة الصمت… ثم كسره في اللحظة التي يجب أن يُكسر فيها.

وهنا تظهر الدولة.

دولة لا تُقاس بما تقول…
بل بما تتحمله… وما تمنعه… وما ترفضه.

ولهذا…

قد يرفع كثيرون أصواتهم،
لكن قليلين فقط… يملكون شجاعة أن يقولوا:
لا أثق… ويقفون خلفها موقفًا.

وفي تلك اللحظة…
لا يبدأ الموقف،
بل يُكشف… أن الأردن
لم يكن يومًا على الهامش…
بل في قلب المعادلة… حتى وهو صامت.