جغرافيا القلق وتموضع الدولة الحصينة
بقلم د.أيمن الخزاعلة
شكل الأسبوع الأخير من آذار 2026 منعطفًا جيو-استراتيجيًا حرجًا للمملكة الأردنية الهاشمية، حيث انتقلت الدولة من "الاشتباك الدبلوماسي" المعهود إلى "المناجزة الدفاعية" المباشرة، في مشهد تداخلت فيه الصواعق الجوية مع الأزمات الهيكلية العابرة للحدود. لقد كان أسبوعًا لتعريف مفهوم "الصمود الوطني" في وجه سيولة أمنية إقليمية غير مسبوقة، تطلّب استدعاء أدوات "الدولة العميقة" في الإدارة، بالتوازي مع مرونة الرقمنة في تقديم الخدمات العامة.
تبلور الحراك الملكي خلال هذه الفترة بوصفه "رأس حربة" الدبلوماسية الوقائية، حيث خاض الملك غمار اتصالات مكوكية جَمّدت تداعيات الاعتداءات الإيرانية الجليّة حد الفجاجة على الجوار العربي، مؤكّدًا في اتصاله مع رئيس الوزراء العراقي، محمد شياع السوداني، حتمية وأد الحرائق الإقليمية ووقف الحرب قبل أن "تضع أوزارها" على شكل رماد استراتيجي.
وفي قراءة ثاقبة لميزان القوى، قطع الملك الطريق على أي استغلال "براغماتي" لهذه الفوضى من قِبل اليمين الإسرائيلي لفرض واقع استيطاني قسري في الضفة الغربية، محذّرًا من تحويل الانشغال الإقليمي إلى "غاشية" تغطي على تصفية القضية الفلسطينية. وفي غضون ذلك، كان سمو ولي العهد يرسخ عقيدة التنسيق البيني بزيارته لوزارة الداخلية، مشدّدًا على أن "اليقظة المؤسسية" هي الترياق ضد أي اختراق للجبهة الداخلية مع العودة للدوام الرسمي بعد عطلة العيد.
إن نجاح الأردن في فك الارتباط بين أزمته الأمنية وبين الأجندات التوسعية للغير هو انتصار لإرادة الدولة، والمطلوب الآن هو مأسسة هذا الإنذار الملكي دوليًا عبر حراك وزير الخارجية، أيمن الصفدي، الذي استطاع عبر قنوات "الاشتباك المباشر" مع واشنطن تثبيت حق المملكة في حماية مجالها الحيوي كخط أحمر لا يقبل التأويل.
وعلى وقع أزيز الصواريخ التي اعترضها سلاح الجو الملكي—22 صاروخًا ومسيرة—تجلّت دراما الممرات المائية كأكبر مهدد لسلاسل التوريد الوطنية؛ فالتناغم بين التهديد الإيراني في مضيق هرمز و"الانفلات المحتمل" للحوثيين في باب المندب خلق "كماشة بحرية" ضاغطة على النبض الحيوي للغذاء والدواء والوقود. ترافق ذلك مع "سعار" أسعار النفط العالمية وضبابية تكتنف "التسعيرة الشهرية" المحلية، وتهديدات إيرانية "سوداوية" باستهداف المحطات الحرارية والمصافي خلال أيام العيد لجعلها "يومًا عسيرًا" طاقيًا.
إن هذه الهشاشة التوريدية تفرض على الحكومة فورًا الانعتاق من "شرنقة" الانتظار، والذهاب نحو الاستقلال التمويني عبر تنويع المسارات البرية وتفعيل مخازن الطوارئ العميقة؛ فالدولة التي تحمي سماءها بصواريخ الردع لا يمكن أن تترك أمنها مرتهنًا لمضائق تسيطر عليها قوى تمارس "البغي" السياسي في الممرات الدولية.
بيد أن هذا الاستنفار العسكري قابله "انكشاف اجتماعي" مؤلم، تجسّد في فاجعة انتحار طالبة الطب، التي دقت ناقوس الخطر حول تآكل رأس المال البشري تحت وطأة الانسداد الأفقي والضغط الأكاديمي الشرس. وفي هذه اللحظة الفارقة، برز "قصور بنيوي" في الخطاب الحكومي الذي عجز عن المكاشفة الرصينة، وتفنيد الإشاعات، وطمأنة المواطنين بجدية حول التبعات، تاركًا الشارع فريسة لـ"خوض" المرجفين وسوداوية التشكيك.
إن على الحكومة الخروج من دهاليز الصمت ومخاطبة الوجدان الشعبي بلغة الحقيقة؛ فالصمت في زمن الحرب ليس حكمة بل هو "فراغ سياسي" يملؤه الخصوم. يجب مأسسة "الأمن النفسي" كبند وطني لا يقل أهمية عن قانون الضمان الاجتماعي الذي تناقشه لجان البرلمان في حوارات مستمرة، أو الحراك المدني الذي شهدته نقابة الفنانين بعودة المرأة لمجلسها تحت قيادة نقيبها الجديد، في إشارة إلى أن روح الدولة المدنية ترفض الانكسار أمام طبول الحرب والمنخفضات الجوية المتلاحقة التي أترعت السدود السبعة بفيض من الأمل الممزوج بالتحدي.
إن الأردن في نهاية هذا الأسبوع يواجه حتمية "إعادة اختراع الذات الاستراتيجية". فبين فيضان السدود وسعار النفط وتهديدات الممرات، تبرز الحاجة لعقد اجتماعي-أمني جديد يقي البلاد من "فتنة" الانكشاف المعيشي. إن الطريق الأمثل يقتضي تحويل إدارة الأزمة إلى صناعة الفرصة، وذلك عبر تفعيل الهوية الرقمية في الرقابة، وتعزيز الردع الدبلوماسي دوليًا، وترميم الثقة المهدورة محليًا عبر خطاب إعلامي هجومي يفند الأكاذيب ويطمئن المواطنين بأن "العودة للدوام" هي عودة لدولة لا تنام عيونها، ولا تكل مؤسساتها عن حماية "القوت والسيادة" والكرامة.