الصباغ يكتب: شهداء الواجب
كتب - المحامي جعفر محمد خير الصباغ
ثلاثة رجال أمن غادروا منازلهم لأداء واجبهم الوطني خلال شهر رمضان المبارك ولم يعودوا إليها قبل عيد الفطر. ثلاث عائلات كانت تستعد لاستقبال الفرح وبهجة العيد، فإذا بها تستقبل المعزين بدل المهنئين.وساد الحزن والالم في جميع منازل الاردنيين ، هذه ليست حادثة أمنية عابرة ولا فاجعة إنسانية يمكن أن تطوى، بل هي جرح في وجدان المجتمع الأردني، واعتداء واضح على هيبة الدولة وسيادة القانون.
وأمام هذا المشهد المؤلم، لا يكفي الحزن، ولا تفي كلمات الرثاء، مهما بلغت صدقها. فالمسألة تتجاوز العاطفة إلى مسؤولية، وتتجاوز التعزية إلى اتخاذ الموقف. وهنا يبرز السؤال: كيف ينبغي للدولة أن ترد بما يعادل حجم الخسارة، ويعيد الطمأنينة إلى المجتمع، ويؤكد أن دماء من يحمون الوطن ليست قابلة للنسيان ولا للتكرار؟
إن المادة (12) من قانون المخدرات والمؤثرات العقلية رقم 23 لسنة 2016 وتعديلاته جاءت بنص واضح لا يحتمل التأويل، حيث نصت على عقوبة الإعدام لكل من يعتدي على أحد القائمين على تنفيذ القانون إذا أفضى الاعتداء إلى وفاته. وعليه، فإن المنظومة التشريعية الرادعة ليست موضع الخلل؛ فالنصوص محكمة، والعقوبات مقررة بأقصى درجات الردع. الإشكالية الحقيقية لا تكمن في غياب النص، بل في كيفية تفعيل منظومة ردع متكاملة تتجاوز حدود التشريع إلى التطبيق العملي الفعال والسريع على أرض الواقع.
تكشف الإحصاءات المعلنة عن مسار تصاعدي مقلق لا يمكن تجاهله. فقد بلغت جرائم المخدرات (13950) جريمة عام 2017، وارتفعت إلى (22031) قضية عام 2025. ورغم أن معدل الجريمة لا يزال أقل من نظيره من الدول، إلا أن الاتجاه التصاعدي المستمر يمثل المؤشر الأخطر. فالمشكلة لم تعد في حجم الظاهرة فحسب، بل في وتيرتها المتسارعة، ما يستدعي تبني استراتيجية قادرة على كسر هذا المنحنى لا التكيف معه.
هذه الأرقام تؤكد حقيقة مفصلية مفادها أن المواجهة لم تعد مع حالات فردية متفرقة، بل مع شبكات إجرامية ارهابية اكتسبت جرأة متزايدة، وصلت حد استهداف رجال الأمن. وهذا التحول يفرض بالضرورة تحولاً مماثلاً في أدوات المواجهة وأساليبها. كما أن استشهاد رجال الأمن لا ينبغي أن يقرأ كمؤشر على ضعف أمني، بل كدليل على تصاعد جرأة هذه الشبكات، بما يستوجب تحولاً نوعياً في استراتيجيات المواجهة.
إن الرد الفعال على هذه الجريمة لا يتحقق من خلال حملات أمنية مكثفة تنتهي بعد أسابيع، إذ أن هذا النهج، رغم أهميته الآنية، لا يغير المعادلة. المطلوب هو إصلاح شامل يقوم على محاور متكاملة:
أولاً: حماية رجل الأمن قبل المداهمة لا بعدها. فجوهر العمل الأمني الفعال لا يقاس بكيفية إدارة الاشتباك بعد وقوعه، بل بمدى تقليل احتمالات وقوعه من الأساس. ويستدعي ذلك إعادة هندسة بروتوكولات المداهمة لتقوم على تقييم مسبق متعدد الأبعاد يشمل تحليل المخاطر، وطبيعة البيئة، وخطورة الأشخاص المستهدفين. ولا يكفي الاكتفاء بالإجراءات التقليدية، بل ينبغي تبني نماذج عمل قائمة على المعلومات الاستخبارية الاستباقية، وتنفيذ العمليات وفق خطط محكمة ومدروسة، بالتوازي مع تعزيز قدرات الأجهزة الأمنية المختصة من حيث التدريب والتجهيز والتقنيات، بما يشكل التزاما مؤسسياً لا يحتمل التأجيل.
ثانياً: تفكيك المنظومة الإجرامية من جذورها. إذ أثبتت التجارب الدولية أن الاقتصار على الملاحقة الميدانية للتجار لا يحقق نتائج مستدامة. ويتطلب الأمر تبني حزمة إجراءات متكاملة تشمل ملاحقة التدفقات المالية غير المشروعة، وتجميد أموال المتورطين، وتشديد الرقابة على سلاسل التوريد، بما يؤدي إلى إضعاف البنية الاقتصادية لهذه الشبكات.
ثالثاً: إعادة بناء الثقة المجتمعية. فالأمن لا يقوم على المداهمات وحدها، بل يتطلب شراكة حقيقية مع المجتمع. ويقتضي ذلك تفعيل برامج الشرطة المجتمعية وأصدقاء الشرطة، وتعزيز حضورها في المناطق الأكثر هشاشة وانتشاراً لهذه الآفة، وإطلاق مبادرات توعوية وتنموية تسهم في بناء جسور الثقة بين المواطن ورجل الأمن. فالمجتمع الذي يثق بأجهزته الأمنية يشكل خط الدفاع الأول، ويحد من احتمالات التصعيد إلى مواجهات دموية.
رابعاً: تعزيز الدور التربوي والديني. إذ لا تكتمل منظومة المواجهة دون معالجة الجذور الفكرية والسلوكية للظاهرة، وهو ما
يضع على عاتق المؤسسات التعليمية والدينية مسؤولية محورية. فالمدرسة بيئة لصياغة الوعي وبناء القيم، مما يستدعي إدماج برامج توعوية منهجية حول مخاطر المخدرات وآثارها، وتدريب المعلمين على رصد المؤشرات المبكرة. كما تبرز المساجد كمنابر مؤثرة في ترسيخ القيم، من خلال خطاب ديني واعٍ يعالج هذه الظواهر بواقعية، ويسهم في بناء وعي وقائي يحصن الأفراد قبل انزلاقهم في مسار الجريمة.
إن الاكتفاء بحملة أمنية مؤقتة يعيد إنتاج المشكلة بدل حلها. والاستجابة المطلوبة لا ينبغي أن تكون انفعالاً عاطفياً أو رد فعل انتقامياً، وإنما مساراً إصلاحياً مؤسسياً راسخاً، يقوم على التخطيط المدروس والاستدامة في التنفيذ.
الأردن يمتلك إطاراً قانونياً متيناً، كما تتوفر لديه الإرادة الرسمية الراسخة. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في ترجمة هذه الإرادة إلى سياسات تنفيذية فعالة، تتحول فيها البيانات إلى بروتوكولات، والحزن إلى إصلاح، والعزاء إلى عمل.
رحم الله شهداء الوطن، وأسكنهم فسيح جناته، وألهم ذويهم الصبر والسلوان.