التعليم التقني.. استثمار الأردن الذكي في المستقبل
بقلم: الأستاذ الدكتور خالد الحياري – رئيس الجامعة الهاشمية
في عالم يتغير بوتيرة غير مسبوقة، لم يعد ممكنًا النظر إلى أنماط التعليم التقليدية بوصفها كافية لمواكبة تحولات الاقتصاد العالمي، فاليوم، تفرض الثورة الصناعية الرابعة المدعومة بالذكاء الاصطناعي واقعًا جديدًا يعيد صياغة مفاهيم العمل والإنتاج، ويضع المهارة التطبيقية في صدارة عناصر القوة والتنافس.
من هنا، يبرز التعليم التقني بوصفه أحد أهم المسارات الوطنية القادرة على تمكين الشباب، وتعزيز جاهزيتهم للانخراط في سوق العمل بكفاءة واقتدار، فلم يعد هذا النمط من التعليم خيارًا بديلًا، بل أصبح ضرورة استراتيجية ملحّةً تتواءم مع طموحات الدولة في بناء اقتصاد قائم على المعرفة والإنتاج.
فلم تعد العلاقة بين التعليم التقني وسوق العمل علاقة تقليدية، بل تحولت إلى علاقة تكامل حتمي، تفرضها طبيعة المرحلة وتسارع التحولات في بنية الوظائف، وهو ما يستدعي تطويرًا مستمرًا للبرامج الأكاديمية، بحيث تظل المؤسسات التعليمية قادرة على الاستجابة لمتطلبات الحاضر واستشراف احتياجات المستقبل.
وفي إطار التحديات الاقتصادية الراهنة، يبرز التعليم التقني كأداة فاعلة للحد من معدلات البطالة، من خلال تأهيل الشباب الأردني بمهارات تطبيقية تتوافق مع احتياجات السوق الفعلية، بما يسهم في إحلال الأيدي العاملة الأردنية مكان العمالة الوافدة تدريجيًا، خصوصًا في القطاعات التي تشهد طلبًا مرتفعًا على المهارات الفنية والمهنية. وقد أثبتت تجارب دول متقدمة مثل ألمانيا والعديد من الدول نجاحها في بناء نماذج تعليم تقني متكاملة، تقوم على الشراكة بين المؤسسات التعليمية والقطاع الصناعي، مما أسهم في خفض معدلات البطالة وتعزيز الإنتاجية، ومن هنا فإن تبني نهج وطني متكامل لتطوير التعليم التقني في الأردن من شأنه أن يشكل نقطة تحول حقيقية في سوق العمل، ويعزز الاعتماد على الكفاءات الوطنية، ويدعم بناء اقتصاد أكثر استقرارًا وكفاءة.
وفي السياق الأردني، ينسجم هذا التوجه مع أهداف رؤية التحديث الاقتصادي، التي تضع تمكين الشباب ورفع كفاءتهم في صلب أولوياتها، خصوصًا في ظل التحدي المتزايد المتمثل في استيعاب الداخلين الجدد إلى سوق العمل، كما يحظى هذا المسار برعاية ملكية سامية يقودها جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين المعظم، وبمتابعة من ولي العهد سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، لترسيخ منظومة تعليمية حديثة قائمة على الابتكار والإنتاجية.
ولم يعد دور التعليم التقني يقتصر على سد فجوة المهارات، بل تجاوزَ ذلك ليكون رافعة حقيقية لتحقيق التنمية المستدامة، من خلال إعداد كوادر قادرة على العمل في القطاعات الرقمية والخضراء، وتعزيز ثقافة الإنتاج المسؤول والاستخدام الكفؤ للموارد، وهو ما يجعل الاستثمار في هذا القطاع استثمارًا مباشرًا في مستقبل الأردن وتنافسيته.
وانطلاقًا من هذا الفهم، تمضي الجامعة الهاشمية بخطى واثقة نحو ترسيخ موقعها كمؤسسة رائدة في التعليم التقني، حيث تستعد لإطلاق كلية تقنية حديثة اعتبارًا من العام الجامعي 2026/2027، لتكون منصة متقدمة لإعداد كفاءات بشرية تمتلك المهارات التطبيقية والفنية وفق أحدث المعايير.
وستطرح الكلية في مرحلتها الأولى برامج دبلوم تقني في تخصصات نوعية تعكس احتياجات السوق، مثل إنترنت الأشياء والأنظمة الذكية، وتحليل البيانات الضخمة، والطباعة ثلاثية الأبعاد والمواد المستدامة، إلى جانب تخصصات في الهندسة والتغذية السريرية، بما يجسد رؤية الجامعة في ربط التعليم بالإنتاج.
كما عززت الجامعة هذا التوجه عبر استحداث برامج أكاديمية متقدمة على مستويي البكالوريوس والماجستير في مجالات الذكاء الاصطناعي، وعلم البيانات، والأمن السيبراني، والتكنولوجيا المالية، والتسويق الرقمي، وهندسة الأنظمة الذكية، في خطوة تهدف إلى إعداد خريجين يمتلكون أدوات المستقبل.
وتستند هذه الجهود إلى بنية تحتية متطورة وبيئات تعليمية حديثة، تعتمد على دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي، وتوظيف تطبيقات الواقع الافتراضي والواقع الممتد، بما يخلق تجربة تعليمية تفاعلية تحاكي الواقع العملي، وتعزز من كفاءة المخرجات التعليمية.
كما حرصت الجامعة الهاشمية على إعداد خطة استراتيجية طموحة للأعوام 2026–2029، ترتكز على محاور التعليم التقني، والبحث العلمي، والتطوير المؤسسي، بما يعزز مكانة الجامعة كمركز وطني لإعداد الكفاءات البشرية القادرة على قيادة التحول الاقتصادي.
في المحصلة، لم يعد التعليم التقني مجرد خيار تعليمي، بل أصبح عنوانًا وركيزة أساسية لمرحلة جديدة يعيد فيها الأردن صياغة مستقبله بثقة، مستثمرًا في طاقات شبابه، ومؤسسًا لاقتصاد أكثر مرونة واستدامة، وفي قلب هذا التحول، تواصل الجامعة الهاشمية أداء دورها الوطني، شريكًا فاعلًا في بناء أردن المستقبل.