إيران والحرب المفتوحة: اختبار الأمن العربي… والأردن في قلب المعادلة

بقلم: الأستاذ الدكتور حميد البطاينة

رئيس منتدى الأردن لحوار السياسات 

لم تعد الحرب في الشرق الأوسط احتمالًا نظريًا يُناقش في غرف التحليل، بل تحولت إلى واقع ميداني يعيد رسم خرائط القوة والنفوذ في الإقليم. ومع وصول القصف الإيراني إلى دول في الخليج العربي، دخلت المنطقة مرحلة غير مسبوقة، لا تختبر فقط القدرات العسكرية، بل تضع مفهوم الأمن العربي ذاته أمام اختبار وجودي حقيقي.

فحين تُستهدف عواصم عربية بالصواريخ، لا يعود السؤال متعلقًا بطبيعة الصراع وحدوده، بل يتجاوزه إلى جوهر الفكرة: هل لا يزال هناك أمن عربي مشترك قادر على الفعل، أم أننا أمام منظومة فقدت قدرتها على الاستجابة وتحولت إلى إطار رمزي بلا أثر؟

ومع تصاعد وتيرة المواجهة، قال البطاينة إن استهداف دول الخليج العربي يمثل تحولًا استراتيجيًا خطيرًا في مسار الصراع، لأنه "ينقل المواجهة من إطارها التقليدي إلى مستوى يهدد بنية الأمن العربي بأكملها، وليس أمن دولة بعينها”.

وفي قلب هذا المشهد المتسارع، يبرز موقع الأردن بوصفه دولة محورية في معادلة إقليمية شديدة التعقيد. فالمملكة لا تقف على هامش الجغرافيا السياسية، بل في قلبها؛ محاطة ببؤر توتر مفتوحة في سوريا والعراق، وعلى تماس مباشر مع واحدة من أكثر القضايا حساسية في العالم، ما يجعل أي تصعيد إقليمي واسع ذا انعكاس مباشر على الأمن الوطني الأردني والاستقرار الاقتصادي.

غير أن التطور الأخطر يتمثل في انتقال الصراع إلى دول الخليج، بما يحمله ذلك من تداعيات استراتيجية عميقة. فدول الخليج تمثل ركيزة أساسية في منظومة الأمن العربي وعمقًا اقتصاديًا وسياسيًا حيويًا للعديد من الدول، وفي مقدمتها الأردن.

وفي هذا السياق، أشار البطاينة إلى أن هذه التطورات أعادت طرح سؤال فاعلية اتفاقية الدفاع العربي المشترك، مؤكدًا أن "النصوص وحدها لا تصنع أمنًا، وأن الاختبار الحقيقي يكمن في القدرة على ترجمتها إلى سياسات وإجراءات عملية في لحظة الخطر”.

بالنسبة للأردن، فإن التعامل مع هذه التطورات يتطلب مقاربة استراتيجية مركّبة، توازن بين مقتضيات الأمن الوطني والالتزامات العربية، دون الانزلاق إلى مواقف انفعالية قد تضر بالمصالح العليا للدولة.

وفي هذا الإطار، قال البطاينة إن الأولويات الوطنية في هذه المرحلة تتمحور حول ثلاثة مسارات رئيسية:

أولًا، تحصين الجبهة الداخلية وتعزيز الجاهزية الأمنية والعسكرية، باعتبار أن استقرار الدولة هو حجر الأساس لأي دور إقليمي فاعل.
ثانيًا، حماية الحدود الأردنية في بيئة إقليمية قابلة للانفجار، حيث يمكن لأي تصعيد واسع أن يفتح مسارات غير متوقعة للفوضى.
ثالثًا، إدارة التداعيات الاقتصادية للحرب، خصوصًا في ظل اضطرابات الطاقة وسلاسل الإمداد، وما قد تفرضه من ضغوط على الاقتصاد الوطني.

لكن دور الأردن لا يقتصر على البعد الدفاعي، بل يمتد إلى المجال السياسي والدبلوماسي. فالدول التي تمتلك خبرة في إدارة الأزمات تصبح أكثر أهمية في أزمنة الحروب، لأن الحكمة السياسية كثيرًا ما تكون آخر خطوط الدفاع عندما تفشل لغة القوة.

إن ما يجري اليوم لم يعد مجرد مواجهة عسكرية، بل هو اختبار حقيقي لمستقبل النظام الإقليمي العربي. فإما أن تفرض الدول العربية معادلة توازن تحمي استقرارها الجماعي، أو تترك المجال مفتوحًا أمام إعادة تشكيل المنطقة وفق مصالح القوى المتصارعة.

وفي مثل هذه اللحظات، لا تُقاس قوة الدول فقط بقدراتها العسكرية، بل بقدرتها على منع الانزلاق إلى الفوضى. فحروب الشرق الأوسط نادرًا ما تنتهي بانتصارات واضحة، وغالبًا ما تخلّف وراءها فراغًا أمنيًا يمتد لسنوات.

وعليه، فإن الحكمة لا تعني الحياد، بل تعني إدارة التوازن بين التضامن العربي وحماية المصلحة الوطنية. وفي هذه المعادلة الدقيقة، يبرز الأردن، بخبرته السياسية ودبلوماسيته المتزنة، كأحد الأطراف القادرة على لعب دور محوري في احتواء التصعيد ومنع تحوّله إلى حرب مفتوحة لا يمكن السيطرة عليها.