الصين تتحرك في تايوان: هل يقترب العالم من صدام شامل؟
ماجد السيبية
في لحظة تبدو فيها خريطة العالم وكأنها تُعاد رسمها تحت ضغط النار، يتقاطع التصعيد في أكثر من جبهة بطريقة تطرح سؤالًا مشروعًا: هل نحن أمام بداية حرب كبرى، أم أمام توازن دقيق يمنع الانفجار الشامل رغم اشتعال الساحات؟
الأنظار تتجه اليوم إلى تايوان، حيث كثّفت الصين تحركاتها الجوية والبحرية حول الجزيرة، في مشهد يتكرر لكنه هذه المرة يأتي في توقيت مختلف. فبالتزامن مع حرب مفتوحة بين إيران واذرعها من جهة وامريكا وإسرائيل من جهة، وتورط مباشر من الولايات المتحدة في دعم العمليات العسكرية في المنطقة، تبدو بكين وكأنها تختبر حدود النظام الدولي في لحظة انشغال غير مسبوقة.
الرواية المتداولة بأن الولايات المتحدة استُنزفت عسكريًا بشكل كامل تحتاج إلى قراءة أكثر دقة. صحيح أن الحرب المرتبطة بإيران تفرض ضغطًا كبيرًا على الانتشار العسكري الأمريكي، خاصة في الممرات الحيوية كـمضيق هرمز، وصحيح أن دعم إسرائيل عسكريًا واستخباراتيًا يستهلك جزءًا من الموارد، إلا أن الولايات المتحدة لا تعمل بمنطق "جبهة واحدة”، بل تحتفظ بقدرات انتشار عالمي تسمح لها بالحفاظ على توازن ردع في أكثر من مسرح في آن واحد. ومع ذلك، فإن تعدد الجبهات يرفع كلفة القرار ويبطئ سرعة الاستجابة، وهو ما تراقبه الصين بدقة.
في هذا السياق، تبدو تحركات الصين حول تايوان أقرب إلى "اختبار الإرادة” منها إلى قرار حرب فوري. فهي تدرك أن أي هجوم مباشر على الجزيرة لن يكون عملية سريعة أو منخفضة التكلفة، بل مواجهة قد تستدعي تدخلًا دوليًا واسعًا، وتضع الاقتصاد الصيني نفسه تحت ضغط هائل. ومع ذلك، فإن التوقيت يحمل دلالة واضحة: استكشاف مدى استعداد واشنطن للرد في ظل انشغالها بحرب الشرق الأوسط.
أهمية تايوان لا تكمن فقط في موقعها الجغرافي، بل في كونها مركزًا عالميًا لصناعة أشباه الموصلات عبر شركة TSMC، التي تشكل عصب الصناعات التكنولوجية الحديثة. أي اضطراب كبير هناك لن يكون مجرد أزمة إقليمية، بل صدمة اقتصادية عالمية تمتد من أسواق المال إلى سلاسل الإمداد، ما يجعل أي قرار عسكري تجاهها محفوفًا بتداعيات تتجاوز حدود آسيا.
في موازاة ذلك، تتحرك كوريا الشمالية وفق نمطها التقليدي القائم على التصعيد المدروس، من خلال إطلاق الصواريخ وإجراء المناورات، في رسالة مفادها أن أي انشغال أمريكي في جبهة ما قد يفتح المجال لرفع مستوى الضغط في جبهات أخرى، خصوصًا تجاه اليابان وكوريا الجنوبية.
المشهد العام لا يشير إلى عجز أمريكي كامل، ولا إلى قرار صيني وشيك بالحرب، لكنه يكشف عن لحظة دولية نادرة تتقاطع فيها عدة أزمات كبرى في وقت واحد. هذا التزامن يخلق انطباعًا بأن العالم يقف على حافة انفجار شامل، إلا أن ما يحدث في العمق أقرب إلى صراع إرادات طويل الأمد، تُستخدم فيه الحروب المباشرة في بعض المناطق، والضغط العسكري والنفسي في مناطق أخرى.
السيناريو الأكثر تداولًا، والذي يتحدث عن اندلاع حرب عالمية متزامنة من شرق آسيا إلى الشرق الأوسط وأوروبا، يظل ممكنًا من حيث النظرية، لكنه في الواقع يصطدم بحقيقة أن جميع القوى الكبرى تدرك أن المواجهة الشاملة ستكون مدمرة للجميع بلا استثناء. لذلك، يتم دفع الصراعات إلى أقصى حد ممكن دون تجاوز الخط الذي يؤدي إلى انهيار النظام الدولي بالكامل.
ما نشهده اليوم هو تداخل بين حرب فعلية في الشرق الأوسط، وضغط عسكري متصاعد في شرق آسيا، واستعراض قوة في أكثر من مكان. هذا التداخل لا يعني بالضرورة أن الحرب العالمية الثالثة بدأت، لكنه يعني أن العالم دخل مرحلة أكثر خطورة، حيث تصبح الأخطاء في التقدير أو الحسابات غير الدقيقة كفيلة بتحويل الأزمات المتفرقة إلى مواجهة واسعة.
الخلاصة أن المشهد الحالي لا يمكن تبسيطه باعتباره "حربًا عالمية بدأت بالفعل”، ولا تجاهله باعتباره مجرد ضجيج إعلامي. نحن أمام مرحلة انتقالية حساسة، تختبر فيها القوى الكبرى حدود بعضها البعض، في ظل حرب قائمة في الشرق الأوسط، وضغط متزايد حول تايوان، وبيئة دولية قابلة للاشتعال أكثر من أي وقت مضى.