عدالة العمل… مسؤولية لا تنتظر شكوى
خالد مفلح البداوي
في زمنٍ تتسارع فيه عجلة الاقتصاد وتتعاظم فيه الأرباح، يبقى العامل في كثير من المواقع الحلقة الأضعف. العمل ليس مجرد ساعاتٍ تُقضى خلف مكتب أو في موقعٍ ميداني، بل هو كرامة إنسان، وأمان أسرة، واستقرار مجتمع. لكن حين تُنتزع الحقوق، يتحول العمل من قيمةٍ إنسانية إلى عبءٍ ثقيل.
كثير من العمال يوقّعون عقودهم على أساس ثماني ساعات يومياً، كما تنصّ عليه التشريعات. غير أن الواقع يروي قصةً مختلفة؛ إذ يُلزَم العامل بساعاتٍ إضافية تتجاوز المتفق عليه، دون أجرٍ عادل، وتحت وطأة التلميح أو التهديد بإنهاء خدماته إن اعترض. هنا لا يكون الأمر اجتهاداً مهنياً، بل استغلالاً صريحاً لحاجته وخوفه على لقمة عيشه.
ولا يقف التجاوز عند حدود الوقت، بل يمتد إلى حرمان العامل من إجازاته السنوية والمرضية، وكأن حقه في الراحة أو العلاج رفاهية يمكن الاستغناء عنها. مع أن المعايير التي تؤكدها منظمة العمل الدولية تعتبر الإجازة حقاً أصيلاً، والبيئة العادلة في العمل التزاماً قانونياً وأخلاقياً لا خياراً انتقائياً.
المشكلة الأعمق أن كثيراً من العمال لا يشتكون، ليس لأنهم راضون، بل لأنهم مهددون. فكيف يرفع العامل صوته وهو يعلم أن الشكوى قد تعني فصله في اليوم التالي؟ وكيف يطالب بحقه من يشعر أن رزقه قد يُقطع إن تجرأ على الاعتراض؟ إنهم مكممو الأفواه، لا بالصمت الطوعي، بل بالخوف المفروض.
وهنا لا يكفي أن نطالب العامل بالتقدم بشكوى، بل يجب أن تتحرك الجهات المسؤولة عن حماية حقوقه من تلقاء نفسها. وفي الأردن، يقع على عاتق وزارة العمل الأردنية دورٌ رقابي استباقي، لا ينتظر ورقة شكوى حتى يتحرك. المطلوب تفتيش ميداني حقيقي، وآليات تضمن سرية البلاغات، وتفعيل القانون بحزم يحمي العامل من أي انتقام وظيفي.
إن العدالة في بيئة العمل ليست صراعاً بين صاحب العمل والعامل، بل شراكة تحفظ كرامة الطرفين. فالعامل المرهق المهدد لا ينتج استقراراً، والمؤسسة التي تُبنى على الخوف لا تصنع تنمية مستدامة. وحدها العدالة تصنع الولاء، وتحمي الاقتصاد من داخله.
ويبقى السؤال: هل نريد مؤسساتٍ قوية بالأرقام فقط، أم قوية بعدالتها وإنسانيتها أولاً