تعرف على قصة أقدم بنك في العالم

تأسس أقدم بنك في العالم في السابع والعشرين من فبراير عام 1472، في جمهورية سيينا، وتحديدا في وسط إيطاليا الحالية.

هذا البنك العريق، المعروف باسم "مونتي دي باشي دي سيينا"، لا يزال مستمرا في العمل حتى يومنا هذا، ليحمل لقب أقدم بنك عامل في العالم بشكل متواصل. 

يتخذ البنك من قصر ساليمبيني المهيب في سيينا مقرا له، ويعتبر ليس فقط أعرق مؤسسة مالية على مستوى العالم، بل واحدا من أكبر البنوك في إيطاليا أيضاً.

تعود قصة هذا البنك إلى النصف الثاني من القرن الخامس عشر، حيث اتخذت حكومة جمهورية سيينا قرارا طموحا يهدف إلى إصابة عصفورين بحجر واحد: تقديم الدعم المالي للفئات المحتاجة في المجتمع، وفي الوقت نفسه جني الأرباح من خلال إنشاء مؤسسة مالية ضخمة.

 كانت سيينا في ذلك الوقت مدينة مزدهرة، وتميزت فكرتها الجديدة بقدرتها على الجمع بين العمل الخيري والربح التجاري في آن واحد.

كان النشاط الأساسي لبنك مونتي دي باشي دي سيينا يتمثل في منح قروض للأفراد صغيرة نسبيا وقصيرة الأجل، لا تتجاوز مدتها عاما واحدا. 

وكان الشرط الأكثر إثارة للاهتمام هو أن على المقترض تقديم ضمان يعادل ثلث قيمة القرض فقط، ويمكن أن يكون هذا الضمان أي أصول تقريبا. 

هذه الآلية جعلت الكثيرين يخلطون بين هذا البنك ومحلات الرهن التقليدية، لكن الفرق الجوهري كان في بساطة الإجراءات: إذا لم يتم سداد الدين، كان البنك يبيع الضمان وينتهي الأمر، دون أي إجراءات تحصيل معقدة أو ملاحقات قضائية للمدين.

النجاح الذي حققه هذا النموذج لم يكن وليد الصدفة، بل استند إلى عاملين حاسمين. الأول، أن هذه السياسة المرنة فتحت أبواب البنك أمام شريحة واسعة من الناس الذين كانوا إما غير قادرين على الحصول على قروض من المؤسسات المالية الأخرى، أو يخشون التعامل معها.

 البداية كانت صعبة، إلا أن حجم التداول الكبير سرعان ما غطى أي مخاطر ناتجة عن حالات التخلف عن السداد. أما العامل الثاني والأهم، فهو أن هذا النهج ضمن للبنك دعم الكنيسة.

في عصر النهضة الإيطالية، كانت الكنيسة مؤسسة بالغة الثراء والنفوذ، وكان رجال الدين يكرهون البنوك التقليدية ويدينون أي شكل من أشكال الربا، لكن حكومة سيينا قدمت البنك الجديد بوصفه أداة لخدمة المجتمع ومساعدة الفقراء وأصحاب الأعمال الصغيرة، وهو ما جعل الكنيسة لا توافق على المشروع فحسب، بل وتدعمه بنشاط.

استمر البنك على هذه الوتيرة حتى عام 1580، عندما تم دمجه في النظام الضريبي لمدينة سيينا. منذ تلك اللحظة، انطلقت أعماله لتشمل مجالات جديدة مثل قروض الأراضي، وتأسيس شركة تابعة للقروض الزراعية في الربع الأول من القرن السابع عشر. على مر القرون، أعيد تنظيم البنك عدة مرات، وتغيرت تركيبة مساهميه، وأصبحت الدولة تملك الحصة المسيطرة فيه حتى وقت قريب. ورغم كل هذه التحولات، يبقى هذا البنك هو نفسه الذي تأسس قبل 554 عاما.

لم يكن ظهور هذا البنك حدثا معزولا، بل جاء في سياق تاريخي مهم. في تلك الفترة، تحولت المدن الأوروبية مثل سيينا وفلورنسا والبندقية إلى مراكز تجارية كبرى. تطلب نمو التجارة الدولية وجود رأس مال عامل وائتمان وتسهيلات لتبادل العملات، في وقت كان فيه نقل الذهب والفضة عبر المسافات الطويلة صعبا وخطيرا. هذا الوضع استدعى وجود
 وسطاء ووكلاء موثوقين، فظهر المرابون الذين كانوا يفرضون فوائد باهظة تقترب من الربا. هنا برزت البنوك كحل مثالي ومنظم لهذه المعضلة المالية.

بلغت قوة بنك مونتي دي باشي دي سيينا ذروتها على مر العصور. في القرن السادس عشر، أجرى البنك معاملات ومنح قروضا بقيمة تجاوزت 300 ألف دوكات، أي ما يعادل حاليا حوالي 150 مليون دولار أمريكي. بحلول القرن السابع عشر، كان البنك يدير صندوقا يعادل نحو ثلاثة بالمئة من الميزانية السنوية لمنطقة توسكانا بأكملها. في القرن الحادي والعشرين، احتل البنك مكانته بين أكبر خمسة بنوك في إيطاليا، وفي عام 2007 بلغت أصوله 270 مليار دولار أمريكي، ووصل عدد موظفيه إلى 33 ألف شخص.


لكن سيرة هذا البنك العريق ليست مجرد قصة نجاح متواصل، بل هي أيضاً حكاية مليئة بالمشاكل والفضائح.

 في عام 2007، استحوذ البنك على بنك أنتونفينيتا مقابل تسعة مليارات يورو، أي أكثر من ضعف قيمته الحقيقية، في صفقة أثارت الكثير من الجدل. بعد الأزمة المالية العالمية في عام 2008، بدأ البنك يفقد مذخراته ويتكبد خسائر فادحة. 

في عام 2013، خضع للتحقيق بتهم الفساد والمعاملات الاحتيالية، ما أدى إلى اهتزاز سمعته، في عام 2017، خضع البنك لعملية تأميم جزئي، ثم تدخلت الحكومة الإيطالية مرتين لإنقاذه بين عامي 2020 و2022 باستثمارات بلغت 5.4 مليار يورو. كما نوقشت في وقت لاحق عملية اندماج مع بنك يونيكريديت، إلا أن الصفقة لم تتم في النهاية.

علاوة على ذلك، لسنوات طويلة انتشرت روايات وتحقيقات حول نفوذ المافيا الإيطالية في البنك وغيره من المؤسسات المالية العريقة؛ تركزت هذه الشبهات حول تعيين مدراء كبار ذوي خلفيات فساد، وإجراء عمليات طرح عام أولي ودمج مشبوهة، وعلاقات غير سليمة مع سياسيين وأحزاب من خلال مخططات رعاية، ناهيك عن ملايين الدولارات "المفقودة" التي لم ترد إلى المودعين. 

القصة أخذت منحى أكثر غموضا ومأساوية في عام 2013، عندما عُثر على دافيد روسي، رئيس إدارة المخاطر في البنك، ميتا، في حين أن الرواية الرسمية تشير إلى الانتحار، إلا أن تقارير مسربة وروايات عن صراعات داخلية وضغوط من مجلس الإدارة غذت شائعات عن جريمة قتل مدبرة، لتضيف فصلا آخر من الغموض إلى تاريخ هذا البنك الاستثنائي
.