هل بدأت إسرائيل تفقد سطوتها الـــرقمـيــــة؟

لما جمال العبسه

في توقيت غاية في الأهمية، أعلنت السعودية ومصر مؤخرا عن بدء تنفيذ مشروع الكابل البحري لنقل البيانات عبر البحر الأحمر، رابطاً ضباء السعودية بشرم الشيخ المصرية، ليكون أول خط مباشر بين البلدين في هذا المجال، الإعلان لم يكن مجرد خبر تقني، بل جاء كرسالة سياسية مدوّية مفادها أن العرب قرروا دخول معركة البنية التحتية الرقمية بأدواتهم الخاصة، وأن زمن احتكار الممرات قد انتهى، وما يزيد هذه الخطوة قوة أن الأردن، من خلال مدينة العقبة، كان قد دخل المشهد عبر مشروع Coral Bridge مع مصر، ليصبح حلقة وصل إضافية في شبكة الكابلات البحرية، ما يجعل الإعلان السعودي–المصري جزءاً من هندسة عربية متكاملة للطاقة والبيانات معاً.

هذا المشروع يضع المنطقة العربية ممثلة بمصر والسعودية في قلب المنافسة العالمية على الممرات الرقمية، ويمنحهما موقعاً استراتيجياً يوازي ما تمثله قناة السويس في التجارة العالمية، فبينما كانت إسرائيل تراهن على مشاريع مثل Blue Raman و Centurion ، لتثبيت نفسها كعقدة لا يمكن تجاوزها، يأتي هذا الربط العربي ليقلل من مركزيتها ويضعها أمام واقع جديد يتجسد في أن البدائل العملية بدأت تتشكل، وأن النفوذ الرقمي لم يعد حكراً عليها من الآن فصاعداً.

الأبعاد الجيوسياسية تتضح أكثر حين ندرك أن مصر تستثمر موقعها الفريد بين البحرين المتوسط والأحمر لتصبح عقدة رئيسية لحركة البيانات، وأن السعودية تترجم رؤيتها للتحول الرقمي إلى نفوذ إقليمي ملموس، بينما الأردن يدخل المشهد من خلال العقبة بمشروع Coral Bridge  مع مصر، ليصبح حلقة وصل إضافية في شبكة الكابلات البحرية، هذه التحركات تجعل من المنطقة العربية شبكة متكاملة للطاقة والبيانات معاً، وتمنحها أوراق ضغط استراتيجية على أوروبا وآسيا في زمن يعتمد فيه الذكاء الاصطناعي والخدمات المالية على تدفق سريع وآمن للمعلومات.

اما دولة الكيان الصهيوني التي طالما روّجت لمشروع «إسرائيل الكبرى» كإطار للهيمنة على الممرات الحيوية، تجد نفسها اليوم أمام معادلة لا تستطيع واشنطن أن تنقذها منها، فالجغرافيا لا تُغيَّر بالتحالفات، والبنية التحتية المادية لا تُفرض بالخطاب السياسي، صحيح انها بنت استراتيجيتها على مشاريع مثل Blue Raman و Centurion    لتصبح عقدة لا يمكن تجاوزها، لكنها بدأت تشعر بالخطر الحقيقي من هذه التحركات العربية السريعة، فالمسارات الجديدة تقلل من مركزيتها، وتحوّلها من دولة متصلة بالعالم إلى مجرد محطة جانبية على خريطة البيانات العالمية.

في تل أبيب، يتصاعد القلق من أن كل كابل جديد يُمد بين مصر والسعودية أو عبر العقبة يعني خسارة إضافية في النفوذ، وأن حلم السيطرة المعلوماتية بدء يتبخر أمام أعينهم، هذا التراجع لا تستطيع واشنطن أن تنقذهم منه، لأن الرد العربي جاء عملياً لا نظرياً، وجاء في صورة مشاريع ملموسة تُنفذ وتدخل الخدمة، لا شعارات ولا خطابات، أي أن الهيمنة الرقمية التي حلمت بها تتلاشى تدريجيا.

إن ما يجري اليوم هو الرد العربي الحقيقي على أوهام «إسرائيل الكبرى». وإذا كان الصهاينة قد بنوا أوهامهم على فكرة السيطرة المعلوماتية، فإن المشروع العربي رد عليها بكابلات تحت البحر وخطوط فوق الأرض، لتصبح المنطقة العربية هي العقدة الحقيقية في خريطة الاقتصاد الرقمي العالمي، وهكذا، بينما يزداد القلق في تل أبيب من فقدان المركزية، يزداد العرب ثقة بأن الرد على مشروع إسرائيل الكبرى لا يكون بالكلام، بل بالفعل.