سلوك المستهلك في رمضان… بين الحاجة والاندفاع

ماجد احمد السيبيه

مع دخول شهر رمضان، تتغير ملامح الأسواق بوضوح. ازدحام في المولات، عربات تسوق تتجاوز احتياجات الأيام الأولى، ومواد تموينية تُخزن بكميات تفوق الاستهلاك المعتاد. المشهد يتكرر سنويًا، وكأننا أمام موسم استثنائي لا شهر عبادة يفترض أن يعيد ترتيب الأولويات.

المشكلة ليست في الاستعداد، فالاستعداد سلوك طبيعي ومطلوب. لكن الفارق كبير بين التخطيط والاندفاع. حين يتحول القلق من ارتفاع الأسعار أو نفاد السلع إلى قرارات شراء متسارعة، يصبح السلوك الاستهلاكي أقرب إلى رد فعل جماعي منه إلى قرار مدروس.

جزء من هذا السلوك يتغذى على المشهد نفسه. الازدحام يولد إحساسًا ضمنيًا بأن هناك شيئًا يستحق الإسراع نحوه. والعروض المحدودة تُفهم باعتبارها فرصة قد لا تتكرر. وهنا تتراجع الحسابات الهادئة أمام دافع اللحظة.

ولعل ما شهدناه مؤخرًا من تدافع عند طرح مادة زيت الزيتون التونسي في المؤسسة الاستهلاكية المدنية مثال عابر لكنه كاشف. القضية لم تكن في سلعة بعينها، بل في الإحساس بأن الفرصة على وشك الضياع. خلال ساعات قليلة ارتفع الطلب بشكل حاد، وتحوّل العرض التجاري إلى حالة ضغط غير مبررة. هذا النوع من التفاعل يكشف كيف يمكن للمشهد أن يصنع قرارًا أسرع من التفكير.

اقتصاديًا، الارتفاع المفاجئ وغير المنظم في الطلب قد يخلق نقصًا مؤقتًا، حتى لو كانت الإمدادات مستقرة. ومع كل موجة شراء متسارعة، يتعزز الشعور بالندرة، فتتشكل دائرة يغذي فيها السلوك القلق ذاته الذي انطلق منه.
لكن المسألة لا تتوقف عند تأثير السوق فقط. هناك بعد آخر يتعلق بثقافة التخطيط المالي داخل الأسرة. كثير من قرارات الشراء في المواسم لا تنطلق من ميزانية واضحة أو قائمة احتياجات دقيقة، بل من انطباعات عامة أو رغبة في "تأمين كل شيء”. النتيجة تكون في كثير من الأحيان تكديسًا غير مستهلك، وهدرًا ماليًا، وضغطًا إضافيًا على ميزانيات تعاني أصلًا من تحديات اقتصادية.

كما أن جانبًا من الاستهلاك يرتبط بثقافة اجتماعية ترى في وفرة المائدة معيارًا للجاهزية أو الكرم، حتى لو تجاوزت حدود الحاجة الفعلية. وهنا يختلط البعد الاجتماعي بالاقتصادي، وتتحول النية الطيبة إلى عبء غير ضروري.
رمضان شهر عبادة وضبط نفس. وإذا كان الهدف منه تهذيب السلوك، فإن أول اختبار عملي لذك قد يكون في سلوكنا الاستهلاكي. فالعقلانية في الشراء لا تقل قيمة عن أي سلوك انضباطي آخر.

السؤال الذي يستحق التوقف: هل نُحسن إدارة مواردنا في موسم يفترض أنه يعلمنا الاعتدال؟

الاستقرار الاقتصادي يبدأ من قرار فردي واعٍ، ومن قناعة بأن الطمأنينة لا تُشترى بكميات أكبر، بل بإدارة أفضل.