الأردن كما يُراد له أن يكون… لا كما اعتدنا أن نقرأه
بقلم رامي رحاب العزّة
في الدول التي تفكر بعقلٍ مستقبلي، لا يُسأل السؤال: ماذا فعلنا؟ بل: ماذا سنصنع؟
الأردن اليوم لا يعيش لحظة استعادة ذاكرة، بل لحظة إعادة تعريف طموح.
الحديث لم يعد عن البقاء، بل عن السبق.
لم يعد عن النجاة من الإقليم، بل عن صناعة موقع داخله.
ما يتشكل اليوم ليس مجرد تغيير في السياسات، بل إعادة كتابة السردية الأردنية ذاتها؛ سردية تنتقل من حماية الوجود إلى صناعة الدور، ومن الاكتفاء بالثبات إلى السعي نحو الأثر.
التحول الحقيقي لا يُقاس بحجم الخطاب، بل بتغيير زاوية الرؤية.
حين يصبح السؤال داخل الدولة: كيف نجعل الأردني أكثر قدرة؟
نحن لا نطوّر سياسة… بل نغيّر فلسفة.
الدولة لم تعد ترى نفسها فقط كحامية للواقع، بل كصانعة للفرصة.
ولهذا لا يبدو التركيز على التكنولوجيا، أو الأمن السيبراني، أو ريادة الأعمال، تفصيلًا قطاعيًا، بل إدراكًا أن القوة في العقد القادم لن تكون لمن يحافظ على موقعه… بل لمن يسبق إليه.
الرؤية التي يمثلها سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني لا تتعامل مع الاستقرار كغاية، بل كأرضية.
الاستقرار أصبح مضمونًا، والتحدي الآن هو تحويله إلى طاقة إنتاج.
وفي جوهر هذا التحول، يتغير تعريف القوة الأردنية.
القوة لم تعد فقط في صلابة الموقف السياسي، ولا في تماسك الجبهة الداخلية، بل في قدرة الشباب على خلق قيمة، وفي قدرة الدولة على احتضان الفكرة قبل أن تهاجر، وفي قدرة المجتمع على التحول من مستهلك للفرص إلى صانع لها.
وهذا التحول لا يُقاس في المؤتمرات فقط، بل في حياة الناس.
حين يجد الشاب بيئة تحمي فكرته، لا وظيفة مؤقتة فقط، وحين تصبح الكفاءة طريقًا أسرع من الواسطة، عندها يتحول الطموح من حلم فردي إلى ثقافة وطن.
هذا المسار ليس قفزًا في الهواء، بل امتداد طبيعي لدولة رسّخ جلالة عبد الله الثاني بنيتها العميقة عبر عقود من الانضباط المؤسسي والتوازن الاستراتيجي.
لكن حين يكتمل الأساس، يبدأ التفكير في الطابق الأعلى.
الطابق الأعلى ليس شعارًا… بل اقتصاد معرفة.
ليس خطابًا… بل منظومة قدرة.
الأردن كما يُراد له أن يكون، ليس دولة تتفاخر بأنها صمدت، بل دولة تقول: نحن قادرون على أن ننتج، وأن نؤثر، وأن نكون مرجعية في زمن يتغير بسرعة لا تنتظر أحدًا.
الدول الصغيرة جغرافيًا لا تكبر بالمساحة… بل تكبر بالفكرة.
وحين يتحول الأردني من باحث عن موقع إلى صانع موقع، ومن منتظر فرصة إلى مُنتج فرصة، لن يكون السؤال: كيف نحافظ على الأردن؟ بل: كيف نجعل الأردن يسبق زمنه؟
وهنا… لا يكون المستقبل أمنية، بل قرارًا