رمـــضـــــان بدايات جديدة
نيفين عبدالهادي
ثلاثون يوما، وربما تسعة وعشرون، تبدأ ساعاتها الأولى فجر اليوم، نعيشها بروحانيات تضعنا في مكان آخر، بتفاصيل تحتاجها نفوسنا وحياتنا، من طمأنينة وسكينة وإقبال على العبادة وقراءة القرآن، تفاصيل تأخذنا لراحة ربما نفتقدها بأيام أخرى، ولحظات بات كثيرون لا يعيشونها تحديدا تلك المتعلقة بلمة العائلة، وتبادل الزيارات وصلة الرحم.
يظن البعض أنني أذهب للكتابة اليوم عن شهر رمضان، وكأنني أرغب بكتابة أدبية بهذا الشأن، لكن حقيقة بات رمضان حاجة لنا، ننتظره من عام لعام، لندخل في جماليات نفتقدها ونحتاجها، نبتعد بها كثيرا عن متاع الدنيا، طلبا للمغفرة ورضا الله سبحانه وتعالى، نقترب من أنفسنا واحتياجاتنا النفسية، والدينية، نطلب من رب العباد ونتوسل اليه أن يغفر لنا ويقبل الطاعات، هو شهر بات حاجة وضرورة لنا، تتزيّن به شوارعنا ومنازلنا بزينة رمضان، وأنفسنا بفرحتنا بالشهر الفضيل، وفرصة التقرّب لله وطلب المغرفة والرحمة.
بعيدا عن «متلازمة» رمضان من تكرار جملة «بعد رمضان» تبدو الحياة مثالية، بل أقصى درجات المثالية، هكذا يجب أن يكون واقع الحياة، بعمل وعبادة وعلاقات مع الآخر، وبعطاء وتسامح وتهذيب النفس وضبط السلوك، ليكون شهرا مثاليا ليس فقط امتناعا عن الطعام والشراب، بل أيام للجمال الداخلي، وإعادة ترتيب الأولويات وصناعة حياة تبدأ بها من جديد مليئة بالحسنات وفعل الخير، والعطاء، حياة نبدأها بطاعة الله، وغفرانه، لتكون مثالية بعيدة عن أي أخطاء أدركنا ولو متأخرا أنها أخطاء، ليكون رمضان بدايات جديدة لكل ما هو مثالي ونموذجي لأنفسنا وصحتنا، وحياتنا.
لنبدأ الشهر الفضيل بعزيمة نحو عمل متواصل، وعبادة مضاعفة، وسعي لعدم توقيف ساعات أدائنا لما بعد الشهر الفضيل، فهو شهر عظيم، يجب أن يبدأ وينتهي على هذا النحو، يجب أن نتقرب لله، ونواصل عملنا دون تأجيل أو تأخير، فالمثالية لا تتجزأ، وإذا ما تحدثنا عن شهر مبارك مثالي، يجب أن تكون أعمالنا مثالية بشكل كامل ليس في جانب دون الآخر، «إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه».
شهر نستذكر به من يحتاج مساعدتنا، ووقوفنا معهم، عملا لا قولا، شهر نقدّم به ما نكسب منه أجرا عند رب الرحمة والعدل، شهر نسمع به أنين جائع، ووجع مريض، شهر نتسابق به لفعل الخير، ومدّ العون والمساعدة لمن يحتاجها، دون هدف سوى رضا الله سبحانه وتعالى، هو رمضان، شهر الخير والتعاضد والمساعدة، شهر يجب أن نتعلم منه ألا يكون حولنا جائع، أو محتاج، أو باحث عن مساعدة، رمضان شهر الخير لأنفسنا ولمن حولنا.
نشعر اليوم بأهلنا في غزة، وهم يعيشون رمضانهم لثالث عام وهم تحت وطأة حرب عاشوا بها أقسى وأبشع أشكال القهر والظلم والجوع والعطش، نشعر ونعيش اليوم وجع أهلنا في غزة، متوسلين لله أن تنعم غزة في أيام هذا الشهر الفضيل براحة السلام، وأن تقف إسرائيل عن حربها التي لم تبق بغزة سوى هيكل حياة لكل شيء حتى لإنسانها، نبتهل إلى الله أن يعمّ السلام أرض السلام، وينعم الأهل في غزة وفلسطين والقدس بخير الشهر الفضيل.
رمضان، جاء برائحة العطاء والعبادة، كل عام والوطن وجلالة الملك عبد الله الثاني وجلالة الملكة رانيا العبد الله وسمو الأمير الحسين ولي العهد، والوطن بكل الخير.