رمضان وإعادة هندسة الحياة

د. ماجد الخواجا

ألف وسبعمئة وأربعون رمضان مر على المسلمين صياما وقياما والتزاما بعبادة خصَّ الله بها نفسه من حيث الجزاء، وهي العبادة الفريدة غير المعلنة القائمة على الوازع والضمير الذاتي، والمفترض أنها خالصة لوجه الله تعالى. لقد أصبحت طقوس العبادات أهم من العبادات، وأصبحت الصورة والكلمة أهم من الحدث نفسه، بل وتضفي عليه رونقا وجاذبية ليست بالضرورة من خصائصه.

هناك من يرى في الطقوس الاحتفالية في استقبال رمضان شيئا غير صحيح ومنهم من يؤكد حرمة هذا الاحتفاء الذي يأخذ أشكال التزيين والإضاءة ووضع الأشياء المبهجة والزاهية، ناهيك عن عادات في موائد رمضان الغنية والمتنوعة بما لذّ وطاب. وتسمع عادةً من يُكرر في كل لحظة التهديد والوعيد بعدم قبول صيام الفرد إذا ما خالف وقام بما ينقض الصيام، والواقع أنني مع الاحتفاليات ونشر الفرح في الحياة ومنها بالتأكيد العبادات، نعم هناك محاذير ومخاوف ونواهي لا بد من مراعاتها، لكن الأساس هو أن تكون العبادة نابعة من القلب ومستقرة في الوجدان، وتمارس بحبٍّ صافٍ خالصٍ، تقرُّباً وتحبُّباً في كرم الله ومحبته، قبل أن تكون خشيةً من عِقابً أو عَذاب.

ثمَّة سلوكات أصبحت مع تراكمية دورات رمضان وكأنها جزء عضوي منه، فقد ارتبطت أطعمة وعصائر وحلويات بالشهر الفضيل، حتى أخذت صفة أنها رمضانية، فالقطائف الرمضانية لا يُستحب أكلها إلا في رمضان، وعصير التمر هندي أو عرقسوس اكتسبا شكلاً رمضانياً، وقمر الدين الذي هو من المشمش بات جزءاً حاضراً على موائد السحور، والخيَّم الرمضانية التي تتباين ما بين خيَّم إفطار جماعي للصائمين، وخيَّم ما تدعى بالأمسيات والسهرات الرمضانية. عاد رمضان سريعاً، وبعيداً عن مكرور الكلام المعتاد، فإن هناك ميزة رئيسة تتمثل في موعد رمضان المتغيّر الذي يجعله يتلون كلّ موسم بلون الفصل السائد، حيث غالباً ما يعيش الفرد في حياته دورتين من دورات رمضان التي تمتد على مدار 33 سنة ليعيد موعده، ويتسّم بسمات الفترة التي يجيء فيها، مع وجود خصائص أساسية عابرة للفصول والمواسم تُبقي لرمضان إطاراً وملامح محددة يتمايز فيها عما قبله أو بعده.

ماذا لو أن ما تدعى بالإفطارات الخيرية الجماعية يتم تحويلها إلى بطاقات ممغنطة بقيمة الإفطار للشهر وتوزّع على المحتاجين فعلاً ليقوموا هم بشراء ما يحتاجونه من مواد غذائية يمكن تحديدها والإتفاق على أنواعها وأسعارها مع كبرى المحلات والمولات وحتى المطاعم. وبدلاً من توزيع كراتين غذائية بأنواع محددة والتي قد لا يستفيد منها الفقير، أو لا تكون ذات أولوية في قائمة الاحتياجات الغذائية، وهي مواد في معظمها لا تقدم طبقاً رئيساً على مائدة الإفطار الرمضانية. إن جملة « اللهم إني صائم» والقصد منها التلفظ بها عند التوتُّر أو إمكانية الوقوع في ممارسات تهدد صيام الفرد، أصبحت هذه الجملة مع زحمة الحياة اليومية والعنف الملاحظ في الشوارع وطوابير الانتظار للشراء أو لأية معاملة، أقول باتت جملة مكرورة وربما فقدت كثيراً من معانيها لدى البعض الذين يستخدمونها طيلة الوقت فيما هم منغمسون بكلِّ ما ينقض صيامهم.

الصيام عبادة بين الفرد وربِّه بالدرجة الأولى، وهو إن لم يؤدِ إلى صفاء الروح والنفس، فهو يشوبه شيء من التشويه له، إن كثيراً من الممارسات اليومية المشاهدة والمزعجة التي نقترفها بحق أنفسنا أولا وبحق الآخرين، نتيجة التذرُّع بالصيام وكأنه عبء وليس راحة للنفس والجسد والقلب. رمضان جاء وجاءت معه الفرصة للسكينة والتأمل والرضى والشعور بالإنجاز، فلا أحلى من لحظات ما قبل الإفطار، لكنها تصبح بمثابة كوارث حقيقية بسبب التزاحم والسرعة الجنونية للمركبات بهدف الوصول إلى البيوت قبل الأذان.

الحديث يطول عن سلوكات وممارسات هي بالأساس غير مقبولة اجتماعيا وطيلة الوقت، والأجدى أن تكون مستهجنة تماما في رمضان. رمضان أهل بهلاله، فانشروا الفرح في جنبات بيوتكم وأنفسكم ونقُّوا القلب والوجدان من شوائب الحياة. اللهم تقبَّل الصيام والقيام ، تقبَّل الطاعات والعبادات، واجعل رمضان شهر المسرات والخيرات والبركات.