جَامِعَةُ اليَرْمُوك… ذِكْرَى الشَّبَابِ الَّذِي لا يَغِيب
فِي أَوَاخِرِ التِّسْعِينِيَّاتِ، وَتَحْدِيدًا عَامَ ١٩٩٨، شَدَدْتُ الرِّحَالَ نَحْوَ جامعة اليرموك، وَأَنَا أَحْمِلُ حُلْمًا كَبِيرًا فِي قَلْبِي، وَطُمُوحًا يَسْبِقُ خُطُوَاتِي. كُنْتُ أَدْخُلُ أَبْوَابَهَا لِأَوَّلِ مَرَّةٍ، وَأَشْعُرُ أَنَّنِي أَدْخُلُ عَالَمًا جَدِيدًا، عَالَمًا تَتَشَكَّلُ فِيهِ الأَحْلَامُ، وَتَتَبَلْوَرُ فِيهِ الطَّمُوحَاتُ.
الْتَحَقْتُ بِكُلِّيَّةِ التَّرْبِيَةِ وَالفُنُونِ، قِسْمِ الإِخْرَاجِ وَالتَّمْثِيلِ لِلسِّينِمَا وَالتِّلْفِزْيُون، حَيْثُ كَانَتِ القَاعَاتُ وَالمَسَارِحُ وَمَوَاقِعُ التَّصْوِيرِ مَسَاحَاتٍ لِلتَّجْرِبَةِ وَالتَّعَلُّمِ. هُنَاكَ تَعَلَّمْتُ كَيْفَ يَتَحَوَّلُ النَّصُّ إِلَى صُورَةٍ، وَالفِكْرَةُ إِلَى مَشْهَدٍ، وَالحُلْمُ إِلَى عَمَلٍ فَنِّيٍّ يَحْمِلُ رِسَالَةً وَمَعْنًى.
وَفِي شَارِعِ الجَامِعَةِ، حَيْثُ سَكَنْتُ طِوَالَ سِنوات الدِّرَاسَةِ، كَانَتِ الحَيَاةُ تَكْتُبُ فُصُولَهَا الأَجْمَل. مَقَاهٍ تَضُجُّ بِالطُّلَّابِ، وَأَصْدِقَاءُ يَتَشَارَكُونَ الأَحْلَامَ، وَحِوَارَاتٌ تَمْتَدُّ حَتَّى آخِرِ اللَّيْلِ. كَانَ ذَلِكَ الشَّارِعُ مِرْآةً لِرُوحِ الجَامِعَةِ؛ بَسِيطًا، حَيَوِيًّا، وَمُمْتَلِئًا بِالأَمَلِ.
مَضَتِ الأَيَّامُ بَيْنَ مُحَاضَرَةٍ وَمَشْهَدٍ، وَبَيْنَ كِتَابٍ وَكَامِيرَا، حَتَّى جَاءَ عَامُ ٢٠٠٢، فَكَانَ مَوْعِدَ التَّخَرُّجِ، وَخَاتِمَةَ أَجْمَلِ سِنِي الشَّبَابِ. غَادَرْتُ الجَامِعَةَ، وَلَكِنَّهَا بَقِيَتْ فِي قَلْبِي ذِكْرَى لا تَغِيبُ، وَمَدْرَسَةً لِلْحَيَاةِ قَبْلَ أَنْ تَكُونَ مَكَانًا لِلدِّرَاسَةِ.
جَامِعَةُ اليَرْمُوك لَمْ تَكُنْ مَبَانِيَ وَقَاعَاتٍ فَحَسْب، بَلْ كَانَتْ رِحْلَةَ نُضْجٍ، وَمَحَطَّةَ تَشَكُّلٍ، وَذَاكِرَةً جَمِيلَةً تَبْقَى فِي الرُّوحِ مَا بَقِيَ العُمْرُ.
فِي يَوْمِهَا، وَفِي كُلِّ يَوْمٍ، تَبْقَى اليَرْمُوكُ حِكَايَةً شَخْصِيَّةً لِكُلِّ مَنْ مَرَّ مِنْ بَوَّابَاتِهَا، وَوَعْدًا بِالعِلْمِ وَالأَمَلِ لا يَشِيخُ
بقلم المخرج احمد العطيان