الرد المدني للجميل العسكري

بشار جرار

في أعيادهم المجيدة، وأحدثها ما أراده سيدنا عبدالله الثاني تعبيرا عن الوفاء للعسكريين عاملين ومتقاعدين، وتقديرا لتضحيات الشهداء الأبرار والمحاربين القدامى، تتوالي وقفات الاعتزاز بما قدمه رفاق السلاح، من أفراد القوات المسلحة والأجهزة الأمنية وجميع المنتسبين إليها. أولئك النشامى البواسل لهم في أعناقنا نحن المدنيين، جميل كبير، لا يعلم قدره حقا إلا من خدم في الميادين العسكرية، أو تنعّم بما حققته تلك المؤسسة الوطنية السيادية، الملكية بامتياز والأردنية باقتدار، من نِعمٍ وجب علينا شكر الله عليها في حلنا وترحالنا، سيما في ديار الاغتراب والمهجر.

ما من مُنتَج أردني، ما من صورة راسخة في ذهن العالم عن الأردن والأردنيين أكثر مضاء وبهاء وسناء، من العسكرية الأردنية، وهي كما تنبهت قيادتنا الهاشمية منذ ما قبل التأسيس والتعزيز، ما قبل عهود الأمارة والمملكة الزاهرة، كانت ومنذ طلائع الثورة العربية الكبرى، وثيقة الارتباط بين الحكم الراشد والفروسية العسكرية، في أعلى درجات الانضباط والتفاني إلى حد الفداء.

لست على دراية بتجارب عالمية تتعلق بكيفية التعبير عن حب المدنيين ووفائهم لمؤسسة بلادهم العسكرية والأمنية، لكن تجربتي المهنية والشخصية في بريطانيا وأمريكا، فضلا عن تعرفي عن قرب بنماذج لذلك في عدد من البلدان العربية الشقيقة، لمست روابط المحبة والتقدير للعسكرية الأردنية، في محافل عدة لا تقتصر على الطبيعة أو النشاط العسكري. فكثير من المهنيين الناجحين في ميادين شتى هم من خريجي المؤسسة العسكرية الأردنية ومؤسساتها التعليمية كالجناح العسكري في جامعة مؤتة.

ما لفت انتباهي هو آليات التعبير المدني عن الوفاء لتضحيات العسكريين. للأفلام والمسلسلات والأغاني دورها، لكن ثمة ميادين أخرى منتشرة في تلك الدول الشقيقة والصديقة لطالما شعرت بالغبطة إزاءها. ومن المعروف أن الشعور بالغبطة يقوم على فرحنا بتجربة ناجحة لدى من نحب، ونعمل كذلك على تحقيقها في بلادنا.

بطبيعة الحال، ثمة فوارق يفرضها اختلاف أو تباين أو تمايز الثقافات والظروف الموضوعية. لكن الكثير من تلك التجارب، قابلة للتطبيق كليا أو جزئيا، أو الاكتفاء بمجرد طرح فكرتها، لا أقول للنقاش العام بقدر ما تكون موضع اهتمام ذوي الاختصاص وأصحاب الولاية القانونية، أولا ودائما.  

ثمة مبادرات فردية وأخرى جماعية مؤسسية، بعضها يتطلب أموالا والآخر يكفيها ادخار معقول أو سلفة غير بنكية من طراز «الجمعيات» بين الأقارب والأصدقاء والجيران والزملاء والتي كانت شائعة في زمن البساطة والبعد عن عالم الاقتراض بفائدة أو «مرابحة»!

هنا في بلاد العم سام، يتم تمييز العسكري والعاملين في صفوف «المستجيبين الأوائل» كالإسعاف والمطافئ، فضلا عن الموظفين في الأجهزة الاتحادية -على مستوى الولايات الخمسين- تمييزهم الإيجابي دون محاباة، بكل شيء، ليس فقط بالمنح بأنواعها والقروض، بل وبأسعار السلع والخدمات، بما فيها السياحة والسفر والاستجمام، ولا يقتصر الأمر على الجهات العسكرية أو الحكومية، حيث يتنافس القطاع الخاص بالتعبير عن حرصه على الوفاء للعسكريين، عاملين ومتقاعدين. وللمتقاعدين، خاصة كبار السن أو من تركت الحروب أو العمليات العسكرية جروحا (جسدية) أو جراحا (نفسية) فيهم، تمييز أعلى مرتبة، في كل شيء. تحية: «شكرا على خدمتكم سيدي أو سيدتي»، من الجمل الشائعة التي لا تقتصر على الأعياد والمناسبات الوطنية، فمجرد أن ترى شخصا في زي عسكري، في سوق أو صالة رياضية، ترصد تلك المبادرات الجميلة العفوية من الناس وبشكل عفوي لا تكلف فيه.

ومع الاقتراب من عالم الاستثمار، وأهمية الرمز وقدرة الأشياء الملموسة على البقاء ولأجيال، قامت مبادرات بعضها مدني والأخر مدني-عسكري، بالتأسيس لصناعة التذكارات «سوفينيرز»، كتخليد معركة معا أو سلاح أو تشكيل عسكري، على شكل منتجات يمكن شراؤها من قبل الجمهور عبر مواقع إلكترونية أو متاجر خاصة. حتى السفارات وحرسها كالمارينز في السفارات الأمريكية حول العالم، بإمكان الأمريكي والسائح أن يقوم بشراء قطعة تذكارية من المعلوم أن ريعها لصالح أولئك الذين خدموا وضحوا من أجل من هم في أعمالهم وأسرهم آمنين هانئين. لذلك من ضمن الشعارات الأمريكية موضع الإجماع الوطني شعار «الحرية ليست بالمجان».  

ختاما، وتلك تجربة لطالما تمنيت النظر فيها مليا من قبل من يهمهم الأمر، وهي مبادرة متقاعدين عسكريين أمريكيين من القوات الخاصة، من النخبة، ومن ضمنها «نيفي سيلز» أسود البحر، بتأسيس ما تعرف بمعسكرات الإعداد البدني والنفسي معا. الرائع في فكرة المشروع أنها تقوم على التدريب العسكري لغايات مدنية بحيث يكون التدريب متدرجا في مستوياته الابتدائية وحتى حتى يصل إلى النخبة. التدريب بطبيعة الحال، يقتصر على اللياقة البدنية والجانب النفسي والعقلي الذي يحقق معادلة «العقل السليم في الجسم السليم»، وهي برامج مفتوحة للمدنيين والعسكريين المتقاعدين. اللافت في الأمر أن كثيرا من أسر العسكريين أحبوا أن يعيشوا تلك الحياة المميزة بمشاركة أحبائهم من أفراد الأسرة أو الأقارب والأصدقاء والزملاء. البعض الآخر كانت مشاركته في تلك المعسكرات «بوت كامب» المدنية الشبيهة للطبيعة الكشفية، قائمة على أسباب تتعلق بمحاربة السمنة المفرطة المتسببة بأمراض قاتلة، بعيدا عن حقن إنقاص الوزن الرائجة الآن، أو تلك «الحبوب السحرية»، والكثير منها خدّاع، لا بل ويودي بالكثيرين إلى متاهات الانتكاسات والأعراض الجانبية الخطرة. فئة أخرى أقبلت على تلك البرامج من الأسر التي أرادت «تأديب» وضبط فلذات أكبادها، بعيدا عن الإدمان الإلكتروني والفوضى واللامبالاة. حتى مكافحة الإدمان بأنواعه ودرجاته، من التدخين -التقليدي والإلكتروني «الفيب»- ومعاقرة الخمور وتعاطي المخدرات، تم تضمينها في تلك البرامج التي عادة ما يتم اختيار أماكن طبيعية «سياحية» لها في إطار ربما «سياحة المغامرات». بطبيعة الحال، كل ما سبق في ظل الأنظمة الصارمة والقوانين المرعية في كل ولاية، وليس هكذا بشكل عام. فالقوانين تختلف حتى فيما يتعلق بأدوات تدريب ورياضات الدفاع عن النفس، حيث تختلف الولايات في تصنيف بعضها فيما يتعلق بالاستخدام المدني.

ها نحن مقبلون بكثير من الحبور والرجاء، على موسمي صيام مباركين الإسلامي والمسيحي، وقد تكون فرصة أيضا لتفعيل ما تعرف بالسياحة الدينية أيضا، عبر الاستفادة من خبرات العسكريين المتقاعدين، فما من مدني يعرف بلاده كما يعرفها العسكري بحكم الخدمة في سائر أنحاء الوطن. ورغم الحرص في أمريكا على الفصل بين الدين والدولة، إلا أن الخدمة العسكرية أفسحت المجال للحريات الدينية، بما فيها طباعة الكتاب المقدس بنسخ خاصة للعسكريين خاصة نسخة الجيب. وقد شهدت مبيعات تلك الإصدارات الخاصة ارتفاعات ملحوظة في المناسبات الدينية والوطنية.

فكل عام وكل من وضع حياته فداء لوطنه بخير. العسكريون –»الأصدق قولا والأخلص عملا»- مقامهم جليل، وحده سبحانه القادر على مجازاتهم الوافية خير جزاء.