لماذا أصبح الإنسان مرهقًا أكثر؟
ماجد احمد السيبيه
لم يكن الإنسان في أي مرحلة من التاريخ محاطًا بكل هذا القدر من الراحة كما هو اليوم. الأجهزة الذكية بين أيدينا، الخدمات تصل إلى أبوابنا، والمعلومة متاحة خلال ثوانٍ. ومع ذلك، يشعر كثيرون بتعب مستمر، وإرهاق ذهني، وضيق لا يعرفون له سببًا واضحًا. المفارقة أن الحياة أصبحت أسهل ماديًا، لكنها أصبحت أثقل نفسيًا.
في الماضي، كان التعب واضح المصدر. عمل جسدي طويل، ساعات تحت الشمس، أو جهد عضلي مباشر. كان الجسد يتعب، لكن العقل يحصل على فترات راحة طبيعية. أما اليوم، فقد تغير نوع التعب. لم يعد جسديًا في معظمه، بل أصبح ذهنيًا ونفسيًا. الإنسان لم يعد يحمل أوزانًا بيديه، بل يحمل أوزانًا في عقله.
أحد أهم أسباب هذا الإرهاق هو كثرة القرارات. الإنسان المعاصر يتخذ عشرات، بل مئات القرارات يوميًا، بعضها بسيط مثل ماذا يأكل، وبعضها معقد يتعلق بالعمل والمال والمستقبل. هذه القرارات تستهلك طاقة الدماغ تدريجيًا، حتى يصل الإنسان إلى حالة من الإنهاك دون أن يشعر بأنه قام بمجهود واضح.
سبب آخر هو التدفق المستمر للمعلومات. الهاتف لا يتوقف عن إرسال الإشعارات، والأخبار لا تتوقف، والمقارنة مع الآخرين أصبحت جزءًا من الحياة اليومية عبر وسائل التواصل. الدماغ البشري لم يُصمم للتعامل مع هذا الحجم من التحفيز المستمر. النتيجة هي حالة من التوتر الخفي، حتى في لحظات الراحة.
المشكلة أيضًا أن الحدود بين العمل والراحة اختفت. في الماضي، كان العمل ينتهي عند مغادرة مكانه. اليوم، يمكن أن تصل رسالة عمل في أي وقت، ويظل العقل في حالة ترقب دائم. هذا يمنع الدماغ من الدخول في حالة الراحة الحقيقية، حتى لو كان الجسد ساكنًا.
المفارقة الأعمق أن كثرة الخيارات، التي يُفترض أنها ميزة، أصبحت مصدر ضغط. عندما تقل الخيارات، يكون القرار أسهل. أما عندما تتعدد، يخاف الإنسان من اختيار الخيار الخطأ. هذا التردد المستمر يستهلك طاقة ذهنية كبيرة، ويخلق شعورًا دائمًا بعدم الرضا.
بعض الدول والمجتمعات أدركت هذه المشكلة مبكرًا. في السويد والدنمارك، مثلًا، أصبح التوازن بين العمل والحياة جزءًا أساسيًا من ثقافة العمل، مما ساهم في رفع الإنتاجية رغم تقليل ساعات العمل. الفكرة ليست في العمل لساعات أطول، بل في العمل بتركيز أفضل وعقل أكثر صفاءً.
الحقيقة التي يجب إدراكها أن الإرهاق الحديث ليس علامة ضعف، بل نتيجة طبيعية لبيئة معقدة وسريعة. الحل لا يكمن في الهروب من التكنولوجيا، بل في إعادة السيطرة عليها، وتنظيم استخدامها، ومنح العقل فترات راحة حقيقية بعيدًا عن التدفق المستمر للمعلومات.
الإنسان لم يصبح أضعف، لكن العالم أصبح أسرع. والتحدي الحقيقي اليوم ليس في القدرة على العمل أكثر، بل في القدرة على الحفاظ على صفاء الذهن وسط هذا الضجيج. ففي زمن السرعة، تصبح القدرة على التوقف، والتركيز، والهدوء، واحدة من أهم أشكال القوة.