القيسي تكتب: كيف تبتلع المصالح الشخصية الأحزاب السياسية؟

أ. ديما القيسي

حين تتقدم المصالح الشخصية… من يحمي صورة الأحزاب في ظل مسيرة  التحديث السياسي ؟

هل تحولت الأحزاب السياسية إلى مسرح للمنافع الشخصية؟ هل هذا هو الدور المتوقع من الأحزاب تجاه التحديث السياسي بكل ما يحمل من برامجية وعمل جماعي وتغليب المصلحة العامة على الفردية؟

ما حدث خلال اليومين الماضيين في قضية النائب المفصول  وفصل المرشح الذي يفترض أن يليه على القائمة الحزبية، وما أثير من نقاش قانوني وسياسي حوله يتطلب الوقوف مطولا على تفاصيله، فالقضية ليست فقط إجراءات تنظيمية حزبية أو تفسيرات قانونية للنصوص مختلفة ومتباينة، بل تتسع لتكشف عن حقيقة مرة أن المصالح الشخصية تتقدم على المصلحة العامة وهي التي تحكم الأحزاب وتدير الكواليس في تحدي صارخ للإرادة الانتخابية وخيارات المواطنين.

لندع الحديث في الشق القانوني فهناك مختصون وجهات قضائية قادرة على إدارته، لأن ما حدث أيضا هو قرار سياسي تقوده مصلحة ضيقة، تهدد مبدأ الثقة مقياس السياسة الأول، وتعكس انقلابا على خيارات الناخبين الذين صوتوا وفقا لترتيب الأسماء على القائمة، وتحول صوت المواطن إلى إداة في لعبة المعادلات الداخلية لا يملك أي تأثير فيها أو عليها، بدل أن يكون صوته تعبيرا عن إراداته الحرة. هذا المشهد المؤلم الذي تشهده الساحة الحزبية يتسبب في ضرر بليغ واهتزاز عميق لصورة الأحزاب لأن الخسارة ليست خسارة مقعد تحت قبة البرلمان بل خسارة مشروع وطني يقع عليه الكثير من الآمال والمسؤوليات.

 تعيش الأحزاب الأردنية جميعها اليوم حالة اختبار لنفسها وهي تحت مجهر المراقبة من قبل الناس وقواعدها الشعبية، وتسعى جميعها لترسيخ حضورها وثباتها لتصبح مؤسسات صلبة، وانتزاع ثقة المواطنين وتعزيز مبدأ العمل المؤسسي وكسب الشرعية السياسية والاجتماعية والثقافية لتكون بذلك قادرة على تحمل مسؤولياتها الوطنية وتقدم برامجها وأفكارها. نعلم أن أي تجربة جديدة تشهد أخطاءً وتتطلب المراجعة المستمرة، لكن نعلم أيضا أن بعض الأخطاء لا يمكن تصحيحها، فالأحزاب التي لا تزال تصر على تغليب المصالح الشخصية لتبتلع المصلحة العامة وتتبنى سلوكيات من هذا النوع وتغمس نفسها في الفردية تلحق ضررا كبيرا في جميع الأحزاب وتخلق انطباعا عاما عن الأحزاب غير الذي نريده ونأمله، وتضع مشروع التحديث السياسي برمته في حالة خطر وتهديد ونفور وتتآكل الثقة الشعبية فيه، خاصة ونحن نتحدث عن مشروع وطني متكامل يتجه نحو تمتين الأحزاب وتقويتها وتعزيز مبدأ الحكومات البرلمانية الحزبية. فمن غير المعقول إزاء ذلك أن نعيد انتاج صورة مشوهة عن الأحزاب يتساءل فيها الناس، هل هذه أحزاب تمتلك برامجا وتعبر عن ضمير الشعب وتطلعاتهم أم صراعات للأفراد والنفوذ والمطامع الشخصية؟

يجب أن تدرك بعض الأحزاب والقائمن عليها، أن العمل السياسي الحزبي يتجسد عبر الممارسة لا الشعارات، وأن التحديث السياسي ليس مجرد " كلاشيه" يتردد في الندوات والمؤتمرات والخطابات الرنانة، بل هو مشروع وطني وثقافة عامة وضرورة ملحة لبناء الأردن ومستقبله الذي صاغت ملامحه التوجهات والإردات الملكية، وأن الواجب الأخلاقي والوطني يحتم عليها احترام الخيارات الشعبية والتزام نهج الشفافية وتحمل المسؤولية وترويض الأنا وإعلاء شأن المصلحة العامة فقط. وأن الطريق نحو إنجاح التجربة لا يقبل الأخطاء القاتلة التي تهدد سلامته.