حين يُحمَّل الإصلاح على كاهل المواطن

د. محمد كامل القرعان

لا أحد ينكر الإيجابيات، ولا يستطيع أي منصف إنكار نعمة الأمن والأمان والاستقرار التي ينعم بها الأردن، وهي نعم عظيمة تشكّل أساس بقاء الدولة وقوتها. حفظ الله الأردن وقيادته الهاشمية، وحمى جيشنا العربي المصطفوي، وأدام على وطننا نعمة الأمن والأمان والاستقرار. لكن الحفاظ على هذه النعم لا يكون بالشعارات وحدها، بل باستمرارية حقيقية في النهج، وعدالة في القرارات، ووعي بأن كلفة الإصلاح لا يجوز أن تُحمَّل على حساب المواطن ومعيشته.

هناك قضايا ملحّة تتراكم يومًا بعد يوم، وتحتاج من الحكومة وقفة جادّة ومسؤولة؛ من ارتفاع أسعار الكهرباء والمياه، إلى المخالفات المرورية والضرائب، إضافة إلى حديث متداول وتساؤلات مشروعة حول أموال الضمان الاجتماعي، وتفاقم معدلات البطالة في صفوف الشباب. ورغم حساسية هذه الملفات وأثرها المباشر على الاستقرار الاجتماعي، يشعر المواطن أن صوته لا يُسمع، وكأن في الآذان صممًا عن معاناته.

حلّ العجز والمديونية لا يجب أن يكون على حساب الناس، ولا عبر إجراءات مؤقتة تحفظ الأزمات وتُرحّلها إلى المستقبل، حيث تعود أكثر تعقيدًا وأعلى كلفة. المطلوب حلول وطنية جذرية تعالج أصل المشكلات الاقتصادية والمالية، وتعيد بناء الثقة بين المواطن وصانع القرار، فالمواطن ليس رقمًا في معادلة مالية، بل شريك حقيقي في الوطن.

الإصلاح الحقيقي لا يُقاس بعدد القوانين أو برفع الرسوم والضرائب، بل بقدرته على تحسين حياة الناس، وخلق فرص عمل، وتحفيز الاقتصاد، وضمان عدالة التوزيع، وحماية الطبقات الوسطى والفقيرة التي تشكّل عمود الاستقرار الاجتماعي. المطلوب الانتقال من إدارة الأزمات إلى معالجتها، ومن منطق الجباية إلى منطق التنمية، ومن القرارات الفوقية إلى الشراكة مع المجتمع.

الشباب اليوم يقفون في قلب الأزمة؛ بطالة مرتفعة، فرص محدودة، وأفق يبدو ضيقًا أمام طموحاتهم. وهنا يكمن التحدي الأخطر: كيف نحافظ على الاستقرار دون أن نفقد الأمل؟ وكيف نصون الأمن دون أن يتآكل الإحساس بالعدالة؟ الإجابة لا تكون بمزيد من الأعباء، بل بسياسات تشغيل حقيقية، واستثمار فعلي في التعليم والتدريب، ومكافحة جادة للفساد، وترشيد للإنفاق العام يبدأ من الأعلى لا من جيب المواطن.

الشفافية لم تعد ترفًا سياسيًا، بل ضرورة وطنية ملحّة. الأسئلة حول أموال الضمان الاجتماعي، والسياسات الضريبية، وإدارة الموارد العامة، تحتاج إلى إجابات واضحة وصريحة، لا إلى صمت أو تسويف. فالثقة إذا اهتزت، يصبح ترميمها أصعب من معالجة أي عجز مالي.

الأردن قوي بتماسكه الداخلي، وبقيادته، وبوعي شعبه، وبجيشه وأجهزته الأمنية، لكن هذه القوة تحتاج إلى سياسات تحميها وتُحصّنها. فالإصلاح الذي يُطلب من المواطن أن يدفع ثمنه وحده، إصلاح مهدد بالفشل، أما الإصلاح الذي يتقاسم أعباءه الجميع بعدالة، ويُبنى على حلول وطنية جذرية، فهو الطريق الوحيد للحفاظ على الأمن والاستقرار، اليوم وغدًا.

ونحن نقدر جهود رئيس الوزراء د. جعفر حسان وشفافيته وعمله الصادق، وثقة جلالة الملك فيه، في تحريك عجلة النمو ومعالجة الاختلالات الاقتصادية، بما يعكس روح المسؤولية الوطنية والتزام القيادة بمعالجة قضايا المواطن وتحقيق التنمية المستدامة.