نموذج حكومي مرن: عطلة 3 أيام للموظف والعمل 6 أيام للمؤسسة

م. معاذ المبيضين

أثار المقترح المتداول حول تعديل نظام العطلة الأسبوعية لتصبح ثلاثة أيام نقاشاً واسعاً في الأوساط المحلية، وتركز في معظمه حول ثنائية الراحة والإنتاجية، إلا أن حصر المسألة في عدد أيام العطلة يغفل الجانب الأهم في معادلة الإدارة العامة المتمثلة في كفاءة الوصول إلى الخدمة واستمرارية عمل الأصول الحكومية. فالتحدي الحقيقي ليس في عدد الساعات التي يقضيها الموظف خلف مكتبه، بل في قدرة المؤسسة على تلبية احتياجات المجتمع والاقتصاد دون انقطاع.

تكمن الإشكالية في النموذج التقليدي الذي يربط دوام المؤسسة بدوام الموظف بشكل متطابق. توازي يخلق فجوات إنتاجية، حيث تتعطل مصالح المواطنين والشركات في ذات الوقت الذي يرتاح فيه الموظف، مما يحول يوم العطلة إلى عبء تنظيمي بدلاً من أن يكون محركاً للتوازن الاجتماعي.

إن الانتقال نحو نظام يمنح الموظف ثلاثة أيام عطلة مقابل تشغيل الدوائر الحكومية لستة أيام أسبوعياً يمثل تحولاً جذرياً من عقلية الدوام المدرسي إلى عقلية إدارة الأصول والخدمات. فبهذا الإطار، لا تعود المؤسسة الحكومية كياناً يفتح ويغلق أبوابه بناءً على تقويم الموظف، بل تصبح منصة خدمية مستدامة.

إن ضمان بقاء المؤسسة فاعلة ومتاحة للمواطنين طوال أيام الأسبوع، بما في ذلك أيام عطلهم الرسمية يكمن في توزيع القوى البشرية بنظام التناوب (Rotational Shifts)، وهذا لا يحقق استدامة اقتصادية فحسب، بل يقلل من الضغط المتراكم على أيام عمل الأسبوع الحالية، ويوزع الحمل التشغيلي بشكل متوازن ويقلل من الازدحام المروري والضغط على المرافق العامة.

يعتمد نجاح هذا التصور بالدرجة الأولى على إعادة تعريف الأداء. فإذا استمرت نظرتنا للعمل الحكومي كعدد ساعات حضور فقط، فإن التناوب سيُنظر إليه كفوضى إدارية. أما إذا انتقلنا إلى نموذج المساءلة عن النتائج، فإن مرونة الوقت تصبح أداة لتحسين جودة الحياة الوظيفية دون المساس بحق المواطن في الحصول على الخدمة.

التحدي هنا ليس تقنياً، بل هو تحدي حوكمة. فالأمر يتطلب أنظمة إدارية قادرة على إدارة الجداول الزمنية المعقدة، وضمان انتقال المهام بين الموظفين (Handover) بسلاسة تامة، بحيث لا يشعر المراجع بتغير الموظف المسؤول طالما أن الخدمة مستقرة ومعيارية.

اقتصادياً، لا يمكن عزل الجهاز الحكومي عن الدورة الاقتصادية الكلية. فالمواطن الذي يعمل في القطاع الخاص، أو حتى الموظف الحكومي في يوم عطلته، يحتاج إلى نافذة زمنية لإنجاز معاملاته دون الاضطرار للاستئذان من عمله. وتوفير خدمة حكومية لستة أيام أسبوعياً يعزز من مفهوم الخدمة العامة كحق متاح، ويحول الدوائر الحكومية إلى ممكنات للنمو بدلاً من كونها نقاط اختناق زمنية. علاوة على ذلك، فإن منح الموظف ثلاثة أيام عطلة يسهم في تنشيط قطاعات أخرى كالسياحة الداخلية والترفيه، ويزيد من كفاءة المورد البشري من خلال منحه وقتاً كافياً للتعافي وتطوير الذات، وهو ما سينعكس إيجاباً على الروح المعنوية والإنتاجية أثناء ساعات العمل الفعلية.

إن النقاش حول عطلة الأيام الثلاثة يجب أن يتجاوز منطق المكسب والخسارة للموظف، ليصبح نقاشاً حول هوية الدولة الخدمية. فهل نحن أمام جهاز إداري يتكيف مع احتياجات المجتمع والاقتصاد، أم جهاز يفرض إيقاعه الخاص على الجميع؟

المرونة في إدارة الموارد البشرية، مقابل الصرامة في استدامة تقديم الخدمة، هي المعادلة التي يمكن أن تعيد صياغة العلاقة بين المواطن والمؤسسة. ويبقى السؤال الأهم: هل تمتلك أنظمتنا الإدارية القدرة على الانتقال من ثقافة الدوام إلى ثقافة إتاحة الخدمة؟