سياسة بلا ساسة...المنصات تسيطر...والاحزاب تتفرج

البرفسور عبد الله سرور الزعبي 

مركز عبر المتوسط للدراسات الاستراتيجية
لم تكن السياسة، في تصورها الكلاسيكي، إدارةً للمشاعر أو ضبطًا للانفعالات، بل فعلًا جماعيًا يُنظّم الاختلاف داخل فضاء عمومي عقلاني. من أرسطو إلى هابرماس، ارتبطت السياسة بإنتاج المعنى، وبناء الوساطة، وتحويل التوتر الاجتماعي إلى برامج ومؤسسات. غير أن التحوّل الأخطر في زمننا لا يكمن في تغيّر الأيديولوجيات، بل في انتقال السياسة من إنتاج المعنى إلى إدارة المزاج العام، ومن تنظيم المصالح إلى تشغيل الانفعال الجمعي، ومن عقلنة التوتر إلى استثماره.
نحن لا نعيش أزمة سياسية تقليدية، بل أزمة ثقة وخلل تمثيل، وزمن إعادة هيكلة للمجال العام. زمنٌ يمكن وصفه بدقة بأنه زمن اقتصاد الاحتقان. منظومة تُدار فيها المشاعر العامة بوصفها موردًا، ويُعاد فيها تدوير التوتر الاجتماعي بدل تفكيكه. في هذا السياق، لم يعد السخط عرضًا، بل أصبح بنية. ولم يعد الاحتقان نتيجة إخفاق السياسة، بل أحد شروط اشتغالها المشوّه. فالسياسة لا تعالج التوتر، بل باتت تعيش عليه.
الاحتقان الاجتماعي ليس ظاهرة طارئة في التاريخ، لكنه اليوم يُنتزع من سياقه السياسي الطبيعي، ويُعاد توظيفه داخل منظومة رقمية تجعل الانفعال أسرع من الفكرة، وردّ الفعل أسبق من الفهم. في هذا الاقتصاد، لا تُقاس القيمة السياسية بعمق المشروع، بل بقابليته للانتشار، ولا تُكافأ الأفكار، بل الرسائل القابلة للاختزال، ولا يُختبر الرأي بالحجة، بل بالخوارزمية.
باومان وصف هذه الحالة بسيولة المعنى السياسي، حيث تفقد السياسة قدرتها على التراكم طويل النفس، وتتحول إلى تفاعلات آنية متقطعة. أما هانا آرنت، فقد حذّرت من لحظة تُفرَّغ فيها السياسة من التعدد والمسؤولية، وتتحول إلى إدارة تقنية للسلوك والانفعال. ما نشهده اليوم هو تحقق هذا التحذير، السياسة لم تختفِ، لكنها أُفرغت من بعدها التأسيسي، وحلّت محلها إدارة دائمة للتوتر، لتتحول إلى ضجيج مُدار.
في قلب هذا الاقتصاد، صعدت المنصّات الرقمية بوصفها الفاعل الأكثر تأثيرًا في تشكيل المجال العام. لم تعد مجرد وسائط تقنية للتواصل، بل تحولت إلى بُنى فوق سياسية، تُعيد ترتيب الأولويات، وتشكيل الوعي الجمعي دون تفويض، وتضبط إيقاع النقاش العام دون مساءلة. إنها سلطة لا تعمل بالإقناع، بل بالإغراق، ولا تنتج رأيًا، بل تُعيد ترتيب الانفعال، ولا تبحث عن الحقيقة، بل عن القابلية للتداول.
هنا يتحقق الانقلاب الأكبر، السياسة لم تعد تُصاغ داخل الأحزاب أو المؤسسات، بل تُعاد صياغتها داخل منطق الخوارزميات، حيث يصبح الاحتقان مادة مثالية للتضخيم لا للتفكيك. وبدل أن يتحقق تصور هابرماس عن فضاء عمومي يقوم على النقاش العقلاني، نشهد قيام نقيضه، فضاء يستهلك السياسة بدل أن ينتجها.
لكن السؤال الجوهري ليس، لماذا تمدّدت المنصّات؟ بل، ما الذي جعل المجال السياسي هشًّا إلى درجة سمحت لها بذلك؟ والجواب يقود مباشرة إلى هندسة الأحزاب.
في التجارب الأوروبية، نشأت الأحزاب بوصفها تجسيدًا مؤسسيًا لصراعات اجتماعية حقيقية، طبقات اجتماعية، وأقاليم، ونقابات، وحركات فكرية. لم يكن الحزب فكرة مكتملة، بل مسارًا تاريخيًا مفتوحًا، وكان ينظر الى الاختلاف داخله شرط حياة لا مصدر تهديد.
أما في السياق الأردني، فنواجه نمطًا مختلفًا، أحزاب تُصمَّم كما يُصمَّم مشروع معماري. الرؤية جاهزة، والقيادة مُسبقة، والبرنامج مكتوب، والمطلوب من الأعضاء هو الانضمام والسكن، لا المشاركة في البناء، والانضباط لا التفكير، والالتزام لا الجدل. إنها أحزاب مُهندَسة بالشكل، وديمقراطية في لوائحها، وأوليغارشية في ممارستها.
يتكرر الخطاب ذاته لدى البعض، بصيغ مختلفة، أنا الأعرف بالسياسة، وأنا الأعلم بالاقتصاد، وأنا الأعمق فهمًا للمجتمع واحتياجاته، والعلاقات الدولية. اتبعوني الآن، وبعد الوصول، لكل حادث حديث.
هنا يتحقق ما حذّر منه روبرت ميخلز في قانونه الحديدي للأوليغارشية، كل تنظيم لا يُحصّن نفسه ضد تركّز السلطة، ينتهي، مهما حسنت نواياه، إلى بنية مغلقة تعيد إنتاج ذاتها.
في هذا التقاطع تحديدًا، يتشكّل اقتصاد الاحتقان بأشدّ صوره خطورة. فالمنصّات تحتاج إلى توتر دائم كي تعمل، فيما تعجز الأحزاب المُهندَسة عن تحويل التوتر إلى سياسة. وحين تفشل الأحزاب في أداء وظيفتها الوسيطة، لا يختفي الغضب، بل ينفصل عن السياسة ويتحوّل إلى طاقة سائبة، بلا برنامج، وبلا أفق، وبلا ترجمة مؤسسية. عندها تجد المنصّات مادتها المثالية، انفعال بلا تنظيم، وصوت بلا أثر.
الغضب او الاحتقان، الذي لا يُؤطَّر سياسيًا لا يُنتج إصلاحًا، بل إنهاكًا. ومع كل موجة انفعال، تتآكل الثقة، ويتراجع الإيمان بالفعل العام، وتتحول السياسة إلى مشهد دائم من الاستقطاب والضجيج. هنا لا تعود الأزمة أزمة مطالب، بل أزمة وساطة ومعنى.
تزداد المفارقة حدّة في الحالة الأردنية، إذ يجري كل ذلك في لحظة لم تكن فيها الإرادة السياسية العليا غائبة. فالتوجيهات الملكية بشأن الإصلاح السياسي كانت واضحة، حياة حزبية فاعلة، ومشاركة حقيقية، وشباب منخرط لا مُستدعى. غير أن الفجوة ظهرت عند مستوى الترجمة، فبعض الأحزاب، أو مهندسيها، قرأ هذه الرؤية قراءة شكلية أو انتقائية، فالتزم بخطابها وأعاد في الممارسة إنتاج السياسة القديمة بمنطق جديد وفقاً للمصالح.
وجد المواطن نفسه أمام دعوة إلى المشاركة، يقابلها واقع حزبي لا يمنحه حق الشراكة. فكان العزوف، لا بوصفه لامبالاة، بل رفضًا لدور ديكوري في مشهد مُعدّ سلفًا، واحتجاجًا صامتًا على وصاية مُقنّعة. وحين يغيب التنظيم، وتنهار الوساطة، تلتقط المنصّات هذا الفراغ وتعيد تشكيله في صورة انفعالات متقطعة. هنا لا يختفي الاحتقان، بل ينفلت.
زاد المشهد تعقيدًا انخراطُ بعض الإعلام وبعض النخب، بوعي أو بدونه، في اقتصاد الاحتقان. بعض الإعلام يلهث خلف التفاعل، ونخب تكتب لتسجيل المواقف لا لتفكيك الأزمات. وكما حذّر غرامشي، حين تفشل النخب في أداء دورها التنويري، لا يبقى الفراغ فارغًا، بل تملؤه الشعبوية والضجيج. في زمن الخلل البنيوي، الحياد ليس فضيلة، بل انسحاب.
أزمة السياسة اليوم ليست في نقص الشعارات، بل في غياب الأفق. فالاحتقان، مهما كان مشروعًا، لا يبني دولة. والمنصّات، مهما بلغت قدرتها على التأثير، لا تصنع سياسة. وحدها الأحزاب الحقيقية، القادرة على تحويل الغضب إلى برنامج، والاحتجاج إلى اقتراح، والانفعال إلى معنى.
في الأردن، لا تكمن المشكلة في غياب الأحزاب، بل في تكاثرها بلا جذور. أحزاب بالعشرات، معظمها بلا قواعد اجتماعية، وبلا امتداد نقابي أو شعبي، وبلا حضور فعلي في الحياة اليومية للناس. أحزاب الكثير منها موجودة على الورق، وفي الإعلام، وعلى المنصّات، لكنها غائبة عن الشارع.
استعادة التوازن لا تبدأ بكبح الاحتقان، بل بإعادة تنظيمه. ولا تكون بمحاربة المنصّات، بل بكسر احتكارها للفضاء العام. وهذا لا يتحقق إلا عبر وسائط سياسية حقيقية، أحزاب تنشأ من المجتمع لا فوقه، تُدار بالصراع الداخلي لا بالإجماع المصطنع، وتُكافئ الاختلاف لا الطاعة.
هنا فقط، يستعيد الاحتقان وظيفته بوصفه إشارة إنذار لا سلعة. وهنا فقط، تستعيد السياسة معناها بوصفها فعلًا جماعيًا واعيًا، لا إدارة انفعال.
ما نواجه اليوم ليس أزمة أدوات، بل أزمة تصور للسياسة نفسها، إما أن تُستعاد السياسة بوصفها فعلًا عقلانيًا جماعيًا، تُدار فيه الخلافات عبر أحزاب غير مُهندَسة، وإعلام يشرح لا يهيّج، كما يعمل البعض، ونخب تملك شجاعة النقد الذاتي، ولا تخشى الاشتباك الفكري، لتترك المجال العام لمن لا يؤمن بالمعنى ولا بالمسؤولية، وإما أن نُسلّم المجال العام بالكامل لاقتصاد الاحتقان، حيث تُدار المجتمعات بالتوتر، وتُستبدل الوساطة بالخوارزمية.
في زمن الخلل البنيوي، الحياد ليس فضيلة، بل انسحاب. والنخب التي لا تُسهم في بناء لغة سياسية عقلانية، تُسهم بصمت في ترسيخ سلطة الاحتقان.
حين تختار مؤسسات الدولة الفعل بدل الخطاب، وحين تُكافأ الأحزاب التي تبني قواعد لا صورًا، وحين يستعيد الإعلام والنخب شجاعتهم النقدية، عندها فقط يمكن للغضب أن يتحول من مادة استهلاك إلى قوة تغيير. ذلك هو الرهان الحقيقي.
في الأردن، لا يبدأ تمتين العقد الاجتماعي بين الدولة والمواطن من الخطاب، بل من إعادة بناء الوسائط، أحزاب تُشبه المجتمع لا مصمّميها، إعلام يُنتج الفهم لا الضجيج، ونخب تنخرط في الصراع الفكري بدل مراقبته، وحكومة تقدم خدمات تعليمية، وصحية، ونقل ومياه وطاقة، ملموسة وتعمل على تقليص البطالة فعلاً لا قولاً. حينها فقط، يتحوّل الغضب من طاقة إنهاك إلى قوة إصلاح، وتستعيد السياسة مكانها الطبيعي، مساحة لصناعة المعنى، لا سوقًا لتدوير الانفعال.