لا تعبثوا بما وُلد بإرادة ملكية


بقلم: د. جلال عايد الشورة

لم تولد هذه الجامعة مصادفة، ولم تُنشأ استجابةً لظرفٍ عابر، ولم تكن مشروعًا إداريًا محدود الأثر. جامعة العلوم الإسلامية العالمية وُلدت بإرادة سيد البلاد، جلالة الملك عبدالله الثاني بن الحسين المفدّى، والإرادة الملكية حين تتجه إلى العلم لا تهدف إلى إنشاء مبانٍ أو هياكل، بل إلى ترسيخ رسالة وطنية تقوم على المعرفة، والاعتدال، وبناء الإنسان.

إن الإرادة الملكية ليست عنوانًا رمزيًا يُستحضر في المناسبات، بل التزامٌ أخلاقي ومؤسسي يقتضي أن تُدار الجامعة بما ينسجم مع مكانتها، وبما يحفظ استقرارها الأكاديمي، ويصون ثقة المجتمع بها. فالجامعات التي تقوم على رؤية سيادية تتحمّل مسؤولية مضاعفة في قراراتها، لأن أثر هذه القرارات لا يقتصر على الداخل الجامعي، بل يمتد إلى صورتها ودورها في الفضاء العام.

وحين يشعر الأستاذ الجامعي بعدم الاطمئنان، أو حين تضطرب البيئة الأكاديمية، ينعكس ذلك—ولو بغير قصد—على العملية التعليمية والبحثية. فالعلم يحتاج إلى بيئة مستقرة، وثقة متبادلة، ووضوح في المعايير، حتى يؤدي رسالته على الوجه الذي يليق بالمؤسسات الأكاديمية العريقة. إن الاستقرار الوظيفي الأكاديمي ليس امتيازًا شخصيًا، بل شرطًا موضوعيًا لازدهار التعليم والبحث.

لقد أُنشئت هذه الجامعة لتكون منارة علمية، وجسرًا للحوار، ونموذجًا للاعتدال والوسطية، وهي أهداف لا تتحقق إلا بإدارة رشيدة توازن بين المتطلبات الإدارية والمالية من جهة، ومتطلبات الرسالة الأكاديمية من جهة أخرى. فالإدارة الحكيمة هي التي تعالج التحديات دون أن تمسّ جوهر الفكرة التي قامت عليها المؤسسة.

وهذا المقال ليس دفاعًا عن أشخاص، ولا اعتراضًا على إدارة، ولا تشكيكًا في نوايا أحد، بل مناشدة هادئة تنطلق من الحرص على الجامعة ومكانتها، وعلى استمرارها في أداء دورها العلمي والوطني كما أُريد لها منذ تأسيسها. إن صون هذا الصرح هو صون لثقة المجتمع بالتعليم العالي، وحماية لإرث وطني لا يُقدّر بثمن.

لا تعبثوا بما وُلد بإرادة ملكية. ليس لأن الخطأ وارد أو غير وارد، بل لأن التصويب الهادئ، والمراجعة الرشيدة، والقرار المتوازن سمات مؤسسات تحترم نفسها وتدرك ثقل المسؤولية الملقاة على عاتقها. فالحكمة في لحظات الاختبار لا تُقاس بسرعة القرار، بل بقدرته على حماية الفكرة، وضمان المستقبل، والحفاظ على الثقة.