إِذا سَـيِّدٌ مِنّا خَلا، قامَ سَيِّدٌ !!
محمد داودية
(يوم الأردن... يوم الوفاء والبيعة).
عندما حطّ الملك الحسين بالطائرة على مدرج مطار ماركا عائدًا من رحلة العلاج الأولى في أيلول 1992، كان أول ما قام به، هو انه صلّى على أرض بلاده العزيزة، صلاة شكر لله عز وجلّ. ثم توجّه بموكبه الجماهيري المهيب إلى قصر زهران مخترقا شوارع العاصمة، التي اكتظت بأهل مملكته، يستقبلونه بالأهازيج وحلقات الدبكة والزغاريد والأدعية القلبية الحارة والأرز والورود والنذور.
وهناك في قصر زهران؛ قبّل الملكُ الابن، يدي والدته الملكة زين الشرف ورأسَها، فحصلنا على لقطة نموذجية فائقة الكرامة لكل أم أردنية.
لو تصدّق كل من وفّر له الحسين، جامعةً ومدرسةً ومستشفى وطريقًا وميناء؛ بدينار واحد عن روحه، أو قرأ عليها الفاتحة مرة واحدة، لكان ذلك أقل الوفاء.
كان الحسين ينطوي على طاقة إيجابية مذهلة. كان «ملحّق على كل الدنيا»، له ذاكرة مذهلة فلا ينسى. يهتم بالانسان كثيرًا ويهتم بالشباب خاصة.
يتقن فن البقاء إتقانًا لافتًا، يدعو إلى الإعجاب، حتى من خصومه واعدائه.
كان أقدر قادة العرب والعالم على تطبيق قاعدة «صفر أعداء».
رعته عين الله فنجا من محاولات انقلاب عديدة تم الكشف عن بعضها وتم إغفال وإهمال ذكر بعضها.
والملك حسين من أكثر القادة الذين تعرضوا إلى سوء الفهم وإلى الظلم؛ لكن معظم الذين ناصبوه العداء، عادوا إلى امتداحه، بعد أن تبينوا معدنه وحقيقته، وخاصة الرئيس جمال عبد الناصر، الذي امتدحه في برقيته الشهيرة، بعدما شتمته إذاعة صوت العرب القاهرية، نحو عقد من السنين.
جاء في برقية الرئيس جمال عبد الناصر إلى الملك الحسين عقب نكسة حزيران 1967 مباشرة، وبالحرف الواحد:
أخي الملك حسين،
عندما يُكتب التاريخ سوف يذكر لك جرأتك وشجاعتك. وسوف يذكر للشعب الأردني الباسل أنه خاض هذه المعركة فور أن فرضت عليه، دون تردد ودون أي اعتبار إلا اعتبار الواجب والشرف.
بقي لي وانا أعلم كل جوانب الظروف التي نمر بها أن أعبر لك عن كل تقديري لموقفك الشجاع ولإرادتك الحاسمة وللبطولة التي أظهرها كل فرد في الشعب الأردني والجيش الأردني.
أخوكم جمال عبد الناصر.
وكان الحسين جابر عثرات الكرام بحق. يحتفظ عنده بسجلات للرجال الشرفاء الذين يتقنون عفّة النفس. وكان كسّابًا وهّابًا، يجود بلا حدود. وهو من خير من عرفت الأرض من الكرماء، الكرم الخفي الذي لا منّة فيه ولا رِئاء.
ظلت القدس قبل احتلالها وبعده، غاليته ووجعه وموضع رعايته من خلال الإعمار الهاشمي وكل أشكال الدعم.
ولذلك باع بيته في لندن بمبلغ 8.25 مليون دينار حملها كاملة، معالي نبيه شقم، رئيس التشريفات الملكية إلى لجنة إعمار المسجد الاقصى المبارك وقبة الصخرة المشرفة والمباني الدينية الأخرى فيه.
يرحمك الله أبا عبد الله
ويمد الله في عمر ملكنا الحبيب الغالي عبد الله الثاني ابن الحسين، الذي يحمل جيناتك واسمك ورايتك، ويواصل دربك الشاق الصعب، بكل حيوية وجسارة وحنكة، مسنودًا بقرة عينه سمو أميرنا الحسين ولي العهد الخلّاق القوي الأمين المحبوب.