رسائل مغلّفة بالنار
أ. د. صلاح العبادي
في وقت تتصاعد فيه الأزمة بين الولايات المتحدة وإيران، جاءت مفاوضات مسقط، لتتقدّم بخطواتٍ حذرة رغم الحشود العسكريّة الأميريكيّة والتهديدات المتبادلة.
الرئيس الأميركي دونالد ترامب قال إنّ الولايات المتحدة أجرت محادثات "جيدة جدا" مع إيران، ومن المقرّر إجراء المزيد من المحادثات الأسبوع المقبل، لكنّه حذر من "عواقب" عدم التوصل إلى اتفاقٍ نووي.
الرئيس ترامب أضاف للصحافيين على متن الطائرة الرئاسيّة "إير فورس وان" خلال توجهه إلى مارالاغو في فلوريدا لقضاء عطلة نهاية الأسبوع: "أجرينا محادثات جيدة جدًا بشأن إيران، ويبدو أنّ إيران ترغب بشدّة في إبرام اتفاق".
وتابع قائلًا: "سنلتقي مجددًا مطلع الأسبوع المقبل، ولدينا متسع من الوقت بشأن الاتفاق مع إيران".
وشدد على أنّه "لا أسلحة نووية لإيران"، مضيفا إن "لدينا أسطول بحري ضخم يتجه نحو الشرق الأوسط، وسيصل هناك قريبًا، وسنرى كيف ستسير الأمور".
وزير الخارجيّة الإيراني عباس عراقجي عاد إلى طهران للتشاور متحدثًا عن بداية إيجابيّة سادت أجواء المفاوضات. الرئيس ترامب أثنى على هذه المفاوضات بينما تشدّد العقوبات على ايران ويطلب من الرعايا الأمريكيين مغادرة ايران فورًا.
ملف تخصيب اليورانيوم هو العقدة الكبرى بين تمسكٍ إيراني، وطرحٍ دولي يدعو إلى خفض المستويات مقابل رفع العقوبات.
في منطقة الشرق الأوسط يتزايد القلق من أنّ يفشل المسار الدبلوماسي قبل أن يكتمل. فهل تسير المفاوضات فعلًا نحو إنفراجةٍ أم نحو لحظة اختيارٍ جديدة قد تغيّر المعادلة؟ وما هي أوراق ضغط سلطنة عُمان لإنجاح هذه المفاوضات؟.
في ظل رفض إيران مناقشة موضوع الصواريخ البالستيّة وتوسيع أذرعها والتمدد في المنطقة، فهل تضغط مسقط على إيران لمناقشة القضايا التي تطلبها الولايات المتحدة الأميريكيّة؟.
وأمام هذا الواقع، ورغم الارتياح الذي عبّرت عنه الإدارة الأميريكيّة، فإن القلق يتصاعد اليوم في المنطقة أمام أيّ ضربة أمريكية محتملة ضدّ إيران، خصوصًا مع المخاوف من عدم حدوث تقدّمٍ في القضايا التي جرى التفاوض بشأنها، لا سيما تلك التي تتمسك ايران بعدم طرحها على طاولة المفاوضات، وعلى رأسها برنامج الصواريخ البالستيّة.
المخاوف يعززها احتمال انتقال التصعيد من مواجهةٍ محدودةٍ إلى صراعٍ إقليمي واسع، في ظل احتمالاتٍ لرد فعلٍ مباشرٍ من قبل إيران وعبر حلفائها.
ما تخشاه الولايات المتحدة هو تدخل إسرائيلي مفاجئ قد يفتحُ جبهاتٍ تمتدُ من الخليجِ إلى البحر الأحمر.
هذا السيناريو لا يقتصر على البعد العسكري فحسب، بل يضع أمن الطاقة العالمي والملاحة البحريّة في دائرة الخطر، بما يحمله من تداعيات سياسيّة واقتصاديّة تتجاوز حدود المنطقة.
يأتي تحذير الولايات المتحدة لرعاياها في إيران بضرورة المغادرة الفوريّة ضمن هذا السياق، الذي يعكس مستوى القلق من احتمال تدهور الأوضاع الأمنيّة في غفلة.
بعد الجولة الأولى من المفاوضات هل كسبت إيران الوقت ونجحت في التحوّل نحو التفاوض بعد أنّ خفّت حدّة التصعيد العسكري واتجهت نحو التفاوض؟.
الجولة الأولى من المفاوضات نجحت، لكنّ القرار للرئيس ترامب الذي سيأخذ القرار الأخير بعد انتهاء المفاوضات بشكلها الكلي. والإيرانيون يسيرون باتجاه منع حدوث الحرب، والولايات المتحدة تحضّر للحرب إن كان على الصعيد الدفاعي أو الهجومي، ومنح فرصة للإيرانيين لتقديم التنازلات.
إيران قالت بأنّها لا تريد السلاح النووي، لكنّها تريد التخصيب ضمن ماهو محدود ومسموح.
التحذيرات في الداخل الإيراني مستمرة، والاستعدادات للحرب متواصلة.
وعشيّة المفاوضات نشر الحرس الثوري الإيراني أحدث صواريخه البالستيّة بعيدة المدى، المطوّرة من طراز "خرمشهر 4" في قاعدة صاروخيّة جديدة تابعة للحرس الثوري الإيراني، ويصل مداه إلى نحو ألفي كيلو متر وقادر على حمل أكثر من طن من المتفجّرات، في مقابل ذلك أكّدت القيادة العسكريّة الأمريكيّة الوسطى أنّ حاملة الطائرات "أبراهام لينكولن" تقوم حاليا بمهام تدريبيّة، وحذرت من تكرار سيناريو اقترابِ مسيرات إيرانيّة من قواتها الضاربة بالمنطقة.
الجولة الأولى من المفاوضات غير المباشرة كانت سريعة، لكنّ ما تم بحثه هو الإطار العام للمفاوضات. فهل تشرك الولايات المتحدة الدول العربيّة بهذهِ المباحثات؟.
فهل سيكتفي الرئيس ترامب باتفاقٍ نووي بصورة أفضل من الذي وقع في العام ألفين وخمسة عشر في عهد الرئيس باراك أوباما؟ وهل يمكن أن تسعى إيران لمنح واشنطن فسحة مما يريد؟.
وهل يتجاهل ترامب بحث المنظومة الصاروخيّة البالستيّة؟.
الرئيس ترامب لا يريد شراء الوقت كما تفعل إيران؛ فهو يريد قرارات سريعة دون استثناء للصواريخ البالستيّة.
إيران اليوم بحاجة إلى رفع للعقوبات لامتصاص الشارع الإيراني في وقت تدرك طهران خطورة التصعيد العسكري الأميريكي في المنطقة وتبعات ارسال التحشيدات العسكريّة للمنطقة.
بعض الدول الإقليميّة طرحت أفكارها المتعلقة بتجميد المشروع النووي الإيراني لثلاث سنوات، على أن يكون تخصيب اليورانيوم بعد ذلك خارج إيران، وبنسبٍ محدّدة ومن ثم تقليل عدد الصواريخ البالستيّة ووقف دعم المليشيات في المنطقة، مقابل اقامة منظومة إقليميّة موسّعة من ضمنها إيران لنزع فتيل الأزمة، فهل يمكن سماع هذهِ المقترحات من قبل طرفي الأزمة؟.
في المفاوضات الأخيرة من العام الماضي ضربت إسرائيل والولايات المتحدة إيران، فهل يخشى الرئيس ترامب من إسرائيل أنّ تفشل المفاوضات الجاريّة؟.
المفاوضات الحاليّة هي أولى محادثات منذ أن شنّت الولايات المتحدة في شهر حزيران من العام الماضي ضربات على مواقع رئيسيّة للبرنامج النووي الإيراني خلال حرب الاثني عشر يومًا التي بدأتها إسرائيل على إيران.
المفاوضات غير المباشرة جرت بوساطة الخارجيّة العُمانيّة؛ حيث التقى الوزير بدر بن حمد البوسعيدي كلًا من الوفدين بصورة منفصلة وكان ينقل الرسائل بين الطرفين، بحضور عراقجي وويتكوف وكوشنر. كل ذلك حدث في وقت وقع الرئيس ترامب أمرًا تنفيذيًا ربما يقضي بفرض رسوم جمركية بنسبة خمسة وعشرين بالمئة على الدول التي تتعامل تجاريًا مع إيران.
وهنا تدور التساؤلات المتعلقة بالمفاوضات غير المباشرة، إذا ما شكّلت الجولةٍ الأولى منها وما جرى فيها من تبادلٍ لوجهات النظر بين إيران والولايات المتحدة بداية إيجابيّة للمفاوضات؟.
وهل يمكن تجاوز مرحلة ضعف الثقة المتبادلة من قبل الطرفين؟.
وهل سيوصل رفض طهران للطلبات الأميريكيّة المتعلّقة بوقف تخصيب اليورانيوم لفترة طويلة الأمد أو نقله للخارج إلى معادلة وسطيّة أم يعرض المفاوضات للنسف؟.
وهل تبادر طهران بتقديم تنازلاتٍ ضمن سياق حسن النوايا ؟.
وماذا بعد محادثات مسقط؟
ولمَ قبلت واشنطن بشرط طهران اقتصار محادثات مسقط على الملف النووي؟ وأي رسالة وجهتها إيران بنشر أحدث صواريخها البالستيّة المطوّرة قبل إنطلاق المفاوضات؟!.