الأردن: استمرارية الدولة وثبات النهج في عالمٍ متغيّر
الدكتور عادل محمد الوهادنة
النقاط الرئيسية
1.الدولة الأردنية بُنيت على شرعية الإنسان وثقة المجتمع قبل أي معادلات قوة أخرى.
2.النهج الأردني قام على إدارة التوازن الاستراتيجي لا الانجرار إلى ردّات الفعل في إقليم متغيّر.
3.التحديث في الأردن مشروع دولة متكامل لا إصلاحات متفرقة أو ظرفية.
4.الاستقرار الأردني تحوّل إلى قوة إنتاج سياسي واقتصادي وإنساني داخل الدولة وخارجها.
5.العلاقة العضوية بين القيادة والشعب بقيت الضمانة الأعمق لاستمرارية الدولة وتماسكها.
في السابع من شباط، يستحضر الأردنيون معنى يتجاوز حدود الذاكرة الزمنية، ليقفوا أمام تجربة دولةٍ استطاعت أن تحوّل الاستمرارية إلى قيمة وطنية راسخة، لا مجرد انتقالٍ بين المراحل. فذكرى الوفاء للمغفور له بإذن الله جلالة الملك الحسين بن طلال، طيب الله ثراه، تمثل لحظة وعي وطني عميق، تُقرأ فيها مسيرة دولةٍ بُنيت على الإنسان، وعلى شرعية العلاقة بين القيادة والشعب، وعلى فهمٍ استراتيجيٍ دقيق لتعقيدات الإقليم والعالم.
لقد أسس الملك الحسين مدرسة الدولة القادرة على الصمود والبقاء في بيئة إقليمية متقلبة، من خلال بناء منظومة متكاملة تقوم على ثبات الهوية الوطنية، وقوة المؤسسات، والقدرة على إدارة التوازنات الإقليمية والدولية بعقلٍ استراتيجي طويل النفس. لم تكن هذه الرؤية استجابة ظرفية، بل كانت تأسيسًا لمنهج دولة يدرك أن الاستقرار الحقيقي يبدأ ببناء الإنسان وتعزيز ثقة المجتمع بمؤسساته.
ومع تسلم جلالة الملك عبدالله الثاني سلطاته الدستورية، دخل الأردن مرحلة تطوير نوعي لمفهوم الدولة الحديثة، حيث أصبح الاستقرار قاعدة لإنتاج التنمية، وتعزيز التنافسية الاقتصادية، وتوسيع الحضور الأردني المؤثر إقليميًا ودوليًا. وقد تجسد ذلك في مسارات تحديث متوازنة شملت التطوير السياسي والاقتصادي والإداري، ضمن رؤية متكاملة تهدف إلى بناء دولة أكثر قدرة على التكيف مع التحولات العالمية.
وفي عالم يتجه نحو مزيد من التعقيد والاستقطاب، حافظ الأردن على نهجه القائم على الاعتدال والمسؤولية الدولية، مع الاستمرار في أداء دوره الإنساني والإقليمي، والدفاع عن القضايا العربية والإسلامية العادلة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، ضمن رؤية ترتبط بالاستقرار الإقليمي الشامل وبالأمن الإنساني طويل المدى.
أما داخليًا، فقد ركزت مسارات التحديث على الاستثمار في الإنسان الأردني، وتطوير الخدمات الأساسية، وتعزيز التحول الرقمي، وتحسين بيئة الاستثمار، وبناء اقتصاد أكثر مرونة وقدرة على مواجهة التحديات. وقد ساهم ذلك في ترسيخ نموذج الدولة التي توازن بين متطلبات الاستقرار وضرورات التطوير المستمر.
لقد أثبتت التجربة الأردنية عبر العقود أن قوة الدول لا تُقاس فقط بحجم الموارد، بل بعمق الشرعية الوطنية، وقوة المؤسسات، وقدرة القيادة والمجتمع معًا على تحويل التحديات إلى فرص للبناء والتقدم. ولهذا بقي الأردن نموذجًا لدولة تعرف كيف تحافظ على استقرارها دون أن تتوقف عن التطور، وكيف تبني مستقبلها دون أن تفقد هويتها.
في يوم الوفاء والبيعة، يجدد الأردنيون التزامهم بفكرة الدولة التي قامت على التوازن، وعلى المسؤولية، وعلى الإيمان بأن بناء الوطن عملية مستمرة تتطلب وعيًا جماعيًا، وعملًا صادقًا، وإرادة ثابتة لا تتغير بتغير الظروف.
وهكذا تستمر مسيرة الأردن بثقة وثبات، نحو مستقبل يقوم على تراكم الإنجاز، واستمرارية النهج، والإيمان بأن قوة الدولة الحقيقية تكمن في إنسانها، وفي تماسك مجتمعها، وفي وضوح رؤيتها للمستقبل.