"فراغ إعلامي قاتل”

الدكتور محمد كامل القرعان 

 تتسارع  الأخبار. في هذا الوقت ، وتتشابك فيه الحقائق مع الشائعات، وتصبح الدولة التي لا تمتلك إعلامًا وطنيًا رسميًا قويًا عارية أمام معركة الوعي. فحين يتأخر الصوت الرسمي، يتقدم الفراغ الإعلامي، وتصبح الشائعات أسرع وأقوى تأثيرًا من أي بيان رسمي. الإعلام الوطني ليس مجرد ناقل للأخبار، بل سلاح سيادي ناعم، وأداة لحماية الاستقرار، وصانعًا للوعي الوطني.
الخلل الأكبر في أداء الإعلام  يكمن في عدم تحويل الحدث إلى رواية واضحة ومقنعة. المواطن اليوم يسأل: لماذا جرى الحدث؟ وما انعكاساته على حياته ومستقبله؟ والإعلام الذي يعجز عن الإجابة يترك المجال لشائعات مضللة تملأ الفراغ. الإعلام الوطني القوي يقدم التحليل، يضع الأحداث في سياقها، ويخاطب العقل لا الانفعال.

الدفاع عن الدولة لا يعني تزييف الواقع أو تبرير الأخطاء، بل تقديم الحقيقة كاملة، مع شرح الخلفيات والاعتراف بالإخفاق عند وقوعه، وشرح مسارات التصحيح. الدولة التي تحترم نفسها لا تخشى النقد، والإعلام الذي يخدمها بحق هو من يدير هذا النقد بمهنية ومسؤولية.

الشائعة لا تولد في فراغ. الفراغ الإعلامي، التأخر في نشر المعلومة، تقديمها بلغة باهتة، أو إدارة الإعلام بعقلية التحفظ والخوف، كلها عوامل جعلت الإشاعة أسرع وأكثر تأثيرًا. المؤسسات الإعلامية الوطنية تتحمل كامل المسؤولية عن هذه الفوضى المعلوماتية.

الإعلام الغربي لا يترك الحدث عاريًا ولا يُدار بعقلية رد الفعل. هناك، الإعلام جزء من منظومة الدولة، يسبق الحدث بتحضير الرواية، يقود النقاش العام، ويوظف الخبراء والمنصات الكبرى لتوحيد الرسالة. في المقابل، إعلامنا يتأخر، يترك الساحة لغيره، ثم يكتشف متأخرًا أن الرواية سُرقت والوعي صُنع خارج حدوده.

الإقناع لا يُفرض بالقوة، بل يُبنى بالمنطق، والمعلومة الدقيقة، وتحليل الأحداث، والتفاعل الذكي مع الجمهور. الإعلام الوطني القادر على الإقناع يحمي الوعي الوطني ويقوي الثقة بين الدولة والمواطن.

الإعلام الوطني أمام اختبار حقيقي: أن يكون صوت الدولة العاقل، وحارس وعيها، والمدافع عنها بالتحليل والإقناع، أو أن يترك الساحة خالية لغيره، ويخسر الرأي العام قبل أن يدرك حجم الخطر. الدولة التي تريد حماية نفسها مطالبة بإعلام قوي بقدر التحديات التي تواجهها، لأن من يخسر الرواية، يخسر كثيرًا قبل أن يدرك ذلك.