"الاعتلال العصبي".. شبح يطارد أردنيين وافتقار لتشخيص مبكر

محمود خطاطبة

على الرغم من أن القطاع الطبي الأردني يعد من الأكثر تقدما في المنطقة، ويسهم في رفد العديد من الدول العربية بخبراته وكوادره المؤهلة، لكن ثمة مساحة معتمة، تسمى الاعتلال العصبي الدقيق.. مساحة يسقط فيها المرضى بين فكي غياب أجهزة الفحوصات في المستشفيات الحكومية والخاصة، ونقص الخبرة الطبية في التشخيص، لتتحول حياتهم إلى رحلة تيهٍ سرمدية.

جلالة الملك عبدﷲ الثاني يشدد مرارا على أن الاولوية القصوى لكل الجهات المعنية بالقطاع الطبي، هي النهوض بالقطاع الصحي، ومعالجة الاختلالات التي تحول دون توفير الرعاية الصحية الجيدة للمواطنين.. ومن هذا المنطلق، يدعو جلالة الملك إلى خريطة طريق واضحة للإصلاح الصحي، تشمل تحديد الأولويات، ووضع برنامج زمني للتنفيذ، والاستفادة من توصيات الدراسات والخبرات السابقة، بما يضمن تطور القطاع الطبي ومواكبته لأفضل الممارسات العالمية، ويصل في الوقت نفسه إلى كل فرد بحاجة إلى تشخيص وعلاج.

لكن وفي زحمة الحياة، قد يجد المرء نفسه أسير وجع خفي، ألم لا يراه الأطباء، ولا تتوفر الأجهزة لحسمه.. إنه الاعتلال العصبي الدقيق، الشبح الطبي، الذي يطارد آلاف الأردنيين، محولا حياتهم إلى رحلة تيهٍ سرمدية بين عيادات الأطباء ومقاعد الانتظار، من دون تشخيص أو علاج شاف.

وأقول إن مأساة مرضى الاعتلال العصبي الدقيق، لا تكمن في المرض نفسه فحسب، بل في التشخيص الخاطئ، الذي يطارد المريض كظله، أو في ادعاء بعض الأطباء القدرة على التشخيص والتعامل.. فحين تغيب أدوات الفحص الدقيق، يترك المريض فريسة لاتهامات التوهم أو اختلاق المرض، وهي وصمة اجتماعية قاسية، تضاف إلى عذاب الجسد، حيث يجد المريض نفسه مضطرا للدفاع عن صدق ألمه أمام أقاربه وأطبائه، قبل أن يبحث عن علاج له، وبين هذا وذاك تضيع سنوات لا بل عقود في ردهات الانتظار، أو بين يدي المشعوذين والرقاة.

إن عدم توفر أجهزة الفحص، وعدم مواكبة الكوادر الطبية، يخلق فجوة حقيقية في منظومة الاعتراف بالمرض، وهذا يعني -ضمنيا- غياب الاعتراف الرسمي بالمرض ذاته وتداعياته على المريض، والتي قد تصل في بعض مراحلها إلى العجز الكلي.
لقد أسرت لي طبيبة اختصاصية، أن عدد الأطباء المؤهلين للتعامل مع المرض في المملكة أقل من عدد أصابع اليد الواحدة، فالاعتلال العصبي الدقيق ليس مرضا عاديا، بل كارثة صحية صامتة، تترك من دون تشخيص وعلاج مبكرين، لتتفاقم بشكل خفي وتترك آثارا نفسية واجتماعية عميقة، محولة حياة المريض إلى سلسلة متواصلة من المعاناة والقيود اليومية.

أقول، إن التأخر مكلف جدا، فكل يوم يمر من دون تشخيص مبكر هو استنزاف للإنتاجية، وزيادة في الكلفة العلاجية للأمراض الثانوية، وضغط هائل على مؤسسات التأمين الصحي، وعليه فإن الاستثمار في المعرفة التشخيصية اليوم، هو في جوهره توفير لميزانيات الغد.. ذلك يجعل الحكومات بشكل عام، ووزراء الصحة بشكل خاص، مطالبين بوضع حل جذري لهذه المشكلة، والتخفيف من آثارها السلبية على الوطن والمواطن، وقبل كل ذلك معاناة الأخيرة من أوجاع، الكثير من الأجساد لا تقوى على تحملها.

قبل سنوات، كان هذا المرض في الأدبيات الطبية يصنف كلغز طبي، لكن تجارب دولية كثيرة تؤكد أن إدخال برامج التشخيص المبكر، وتدريب الكوادر، وإنشاء برامج متابعة دقيقة، أمور تقلل من تكاليف الأمراض المرافقة، وهي عديدة، وتعزز جودة الحياة.. نحن اليوم أمام خيار استراتيجي واضح لتنفيذ خريطة الطريق الملكية بما يعيد توزيع المخاطر الاقتصادية والاجتماعية، ويعزز القدرة على الاستجابة الذكية، بل ويعيد رسم ملامح القوة الاجتماعية والاقتصادية في العقد المقبل.