السلام المُجتزأ لا يصنع دولة: فلسطين بين العدالة والشرعية الدولية

بقلم: زيد أبو زيد

انشغل العالم، خلال الأسابيع الأخيرة، بالحديث عن مجلس السلام من أجل غزة ومستقبلها، وكأنّ القضية الفلسطينية يمكن اختزالها في بقعة جغرافية محاصَرة أو مأساة إنسانية منفصلة عن سياقها التاريخي والسياسي. وغاب عن هذا الانشغال، أو جرى تغييبُه، أنّ فلسطين قضية واحدة متكاملة، لا تقبل التجزئة ولا تُعالَج بحلول انتقائية أو مؤقتة.

فغزة، التي تعرّضت لسنوات طويلة من الحصار والحروب، وآخرها حرب إبادة ممنهجة استهدفت الإنسان والحجر والشجر، ليست سوى جزء من المشهد الفلسطيني الأشمل. وما جرى من مساعٍ إنسانية أو تبادل للأسرى، على أهميته، لا يُلغي حقيقة ارتكاب الكيان الإسرائيلي لجرائم جسيمة تستوجب المساءلة والمحاسبة وفق القانون الدولي.

وفي مقابل تسليط الضوء على غزة، تتعرّض الضفة الغربية لخطر أشدّ صمتًا وأعمق أثرًا، يتمثل في التوسّع الاستيطاني، وتهويد الأرض، ومصادرة الحقوق، وتفكيك الجغرافيا الفلسطينية، في محاولة واضحة لإجهاض أي إمكانية حقيقية لقيام دولة فلسطينية مستقلة قابلة للحياة.

إنّ الحديث عن عصر سلام، كما يُروَّج له سياسيًا، لا يمكن أن يكون ذا مصداقية ما لم ينطلق من الاعتراف بالدولة الفلسطينية بوصفها حقًا أصيلًا وواقعًا سياسيًا، لا مجرّد شعار. ويذكّرنا التاريخ بما قاله وزير خارجية الكيان الصهيوني الأسبق أبا إيبان، حين أقرّ باستحالة الجمع بين «يهودية الدولة» والديمقراطية، وهو ما يعيد اليمين الإسرائيلي المتطرّف طرحه اليوم بوصفه شرطًا للتفاوض، في تجلٍّ صارخ للعنصرية السياسية.

ورغم ما ترفعه بعض الدول الغربية من شعارات مناهضة للتمييز والعنصرية، إلا أنّ مواقفها العملية كشفت عن ازدواجية واضحة، وتواطؤٍ سياسيّ مع سياسات الاحتلال، ظهر جليًا في تجاهل الاستيطان وغياب المحاسبة، بل وفي تشجيع غير مباشر للتوجهات العنصرية.

وفي هذا السياق، يبرز الدور الأردني الثابت، الذي لم يتزحزح يومًا عن دعم الحقّ الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة ذات السيادة على حدود الرابع من حزيران عام 1967، وعاصمتها القدس الشرقية، وضمان حقّ العودة للاجئين الفلسطينيين، استنادًا إلى قرارات الشرعية الدولية، وفي مقدمتها القرارات 181 و194 و242 و338. فالأردن يرى في السلام خيارًا استراتيجيًا، لكنّه سلامٌ عادل لا يُبنى على حساب الحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني.

إنّ الاعتراف بحق إسرائيل في الوجود لا يعني شرعنة الاحتلال، ولا القبول بأنصاف الحلول التي تُرحِّل الأزمة بدل حلّها. ففلسطين ليست قضية فلسطينية فحسب، بل قضية عربية في جوهرها، وقضية دولية بحكم ما صدر بشأنها من عشرات القرارات الأممية التي ما تزال تنتظر التنفيذ.

خلاصة القول، إنّ السلام المُجتزأ لا يصنع دولة، ولا يُنهي صراعًا. وفلسطين، بكل ما تمثّله من عدالة وحقّ وتاريخ، ستبقى قضية واحدة لا تُختزل ولا تُقسَّم، لأنّ الحقوق لا تسقط بالتقادم، ولأنّ الاحتلال، مهما طال، إلى زوال.