الحشود العسكرية الأمريكية ليست للحرب
نسيم عنيزات
يعتقد البعض أن الحشود العسكرية الأمريكية الضخمة وغير المسبوقة في الشرق الأوسط موجهة ضد إيران فقط، وتهدف إلى ضربها أو إجبارها على الجلوس إلى طاولة المفاوضات الأمريكية ضمن شروط الأخيرة.
الأمر الذي أوجد حالة من التوتر في العالم أجمع، والمنطقة التي تخشى الانزلاق في حرب وحالة من عدم الاستقرار، خاصة في ظل التهديدات الإيرانية بالرد ومنع ناقلات النفط من العبور.
إلا أننا نعتقد بأن هذا الحشد العسكري الضخم وغير المسبوق، كما أشرنا سابقًا، ليس ضد إيران وحدها بل للعالم أجمع، بأن قواعد اللعبة قد تغيرت وأن الشرق الأوسط هي منطقة نفوذ وسيطرة أمريكية فقط.
خاصة أننا نعلم بأن الولايات المتحدة الأمريكية لا ترغب بدخول حرب طويلة مع إيران، وذلك لعدم اتفاقه أو انسجامه مع استراتيجيتها بعدم خوض حروب خارج أراضيها، بعد أن تعلمت دروسًا قاسية في العراق وفيتنام وأفغانستان.
فالولايات المتحدة تسعى إلى شكل استثماري بصورة السيطرة وبسط النفوذ، وتوجيه رسائل إلى العالم بأنها الدولة الأقوى، ويُحظر الاقتراب أو السماح بمشاركة النفوذ أو تقاسم الثروات.
ومن خلال الحشود والبوارج وحاملات الطائرات التي حركتها نستطيع القول بأنها عملية استعراض أكثر منها حرباً، التي إن حصلت لا ترغب أمريكا بإطالتها، بل على العكس ستكون قصيرة من خلال ضربات موجهة في حال عدم القبول بشروطها أو استمرت إيران على موقفها.
فما يحصل في المنطقة الآن يشكل تهديدًا لها، خاصة في ظل الضعف الأوروبي التي لم تعد تثق في السياسة الأمريكية وتنساق خلفها مجبرة، وانشغال روسيا في حربها مع أوكرانيا، والصمت الصيني.
فالولايات المتحدة الأمريكية تستغل حالة الضعف العالمي وانشغاله بأزماته التي أوجدتها هي، حتى تنفرد في المنطقة والسيطرة عليها.
ونعتقد عكس التوقعات بأن الضربة لن تكون وشيكة بعد دخول الوسيط التركي الذي يحظى باحترام أمريكي وثقة إيرانية على الخط، الأمر الذي سيمنحه وقتًا للوصول إلى نقاط التقاء بين الطرفين، في ظل وجود رغبة إيرانية وتصريحات أمريكية متناقضة بين الإصرار على ضربة عسكرية أو الذهاب إلى المفاوضات التي تم إبعاد الأوروبيين وخروجهم منها، وأصبحوا ينتظرون القرار الأمريكي ويسيرون خلفه.
إلا أن المهم ما بعد ذلك، سواء الضربة العسكرية أو الجلوس إلى طاولة المفاوضات، حول مصير ومستقبل المنطقة التي حتمًا لن تتركها الولايات المتحدة الأمريكية كما كانت قبل اليوم. فهناك ثمن سيدفعه الجميع، وكلفة باهظة يتحملها البعض، تتعلق بتكاليف الحشود ورحيلها أو إعادة تموضعها.
وأيضًا أن السياسة وقواعد اللعبة في المنطقة ستكون بأيدٍ أمريكية وأصابع إسرائيلية، بما يخدم مصالحها ضمن الرؤية الأمريكية في شرق أوسط جديد، لكن هذه المرة يفرض بمنطق القوة وليس الدبلوماسية.
وعلى الشرق الأوسط والمنطقة أن تستعد لحالة جديدة تفرضها أمريكا ضمن رؤيتها، وما يحقق أهدافها ويحمي مصالحها ويعززها، بمنطق حاكم جديد يفرض شروطًا ويضع قيودًا للحصول على إتاوات والسيطرة على المقدرات، كما عمل في فنزويلا، والسيطرة على مقومات الاقتصاد ومفاصله، خاصة النفط، وذلك بهدف توجيه ضربة اقتصادية قوية للصين، بعد أن سيطر على النفط الفنزويلي ومبيعاته، وها هو الخطر على الجار في إيران وغيرها.