النظام التربوي وإشكالية التطوّر في زمن العولمة الجديدة
بقلم زيد موسى أبو زيد
إنّ من أهم مرتكزات تطوّر النظام التربوي في أي بلد، وما يميّز دولةً عن أخرى في مظاهر الرقيّ والتقدّم، كفاءة نظامها الإداري، ووضوح تسلسل المسؤوليات، ودقّة نطاق الإشراف الوظيفي، وتحديد خصوصية الأدوار؛ ابتداءً من موقع الوزير، بوصفه راسم السياسات والمفكّر الإستراتيجي، وصولًا إلى مختلف المستويات الوظيفية في الوزارة ومؤسساتها التابعة.
وقد شهدنا – عن قرب – نماذج متباينة في الإدارة التربوية؛ فثمّة من يؤدّي أعمالًا تتجاوز توصيف وظيفته، أو يمارس أدوارًا دون مستوى مسؤوليته، لا تواضعًا، بل قصورًا في الفهم الإداري، أو عجزًا عن تنسيق الجهود وقيادة الفرق نحو الإنجاز، ولا سيّما في أوقات الأزمات.
وفي المقابل، فإنّ نجاح أي وزارة – وبخاصة وزارة التربية والتعليم – مرهون بقدرتها على بناء فريق عمل متناغم، تتكامل فيه الأدوار، وتتوزّع فيه المسؤوليات، وتُحترم فيه الصلاحيات.
ومن هنا، فإنّ تسلّم الأستاذ الدكتور عزمي محافظة، وزير التربية والتعليم حقيبة الوزارة جاء في مرحلة دقيقة ومعقّدة، تتطلّب انتقالًا واعيًا من الإدارة اليومية إلى الإدارة الإستراتيجية، ومن الفردية في القرار إلى العمل المؤسسي القائم على الفريق.
ولا بدّ من التأكيد هنا أنّ معاليه لم يعمل منفردًا، بل ضمن فريق متكامل من الأمناء العامين، والكوادر الإدارية والفنية، وموظفي الوزارة، الذين شكّلوا معًا حالة عمل جماعي متميزة، تُبرز القوة الإبداعية البشرية في المؤسسة.
لقد أظهرت تحليلات تربوية أُجريت في عدد من الدول المتقدّمة الحاجة الماسّة إلى نمط من التعليم المستمر، وكان للنموذج الفنلندي نصيب وافر من الدراسة؛ حيث أُزيل الحشو من المناهج، وانتقلت الحصّة الصفية من التلقين إلى البحث، ومن الحفظ إلى التفكير، مع الحفاظ على التوازن بين التعلّم والحياة.
وفي هذا السياق، تطوّر دور الوزارة، بقيادتها وفريقها، في إعادة تعريف وظيفة المدرسة، ودور المعلّم، ومكانة الطالب في منظومة التعليم الحديثة.
إنّ نجاح أبنائنا وبناتنا لا ينفصل عن نوعية المعلّم، ولا عن البيئة التي تُنتج هذا المعلّم وتدعمه. فالمعلّم، عبر التاريخ، كان طليعة التنوير، وقائد التغيير، وحارس الوعي الجمعي.
ومن هنا، فإنّ أي مشروع إصلاحي حقيقي في التربية والتعليم لا ينجح ما لم يكن المعلّم شريكًا فيه، لا متلقّيًا له، وهو ما أدركته قيادة الوزارة حين أكّدت – قولًا وفعلًا – نهج الشراكة مع المجتمع، واحترام خبرة الميدان، والاستماع لصوت المعلم.
إنّ التحديات التي يفرضها المستقبل – من انفجار معرفي، وثورة تكنولوجية، وعولمة ثقافية وتربوية، وتداخل في الهويات، إلى جانب تحديات الفقر والتطرّف – تفرض على وزارة التربية والتعليم أن تعمل بعقل جماعي، وبفريق قادر على القراءة العميقة للواقع، والتخطيط الهادئ للتغيير، دون قفز في المجهول أو انقطاع عن الخصوصية الوطنية.
وقد أصاب الأستاذ الدكتور عزمي محافظة جوهر الحقيقة حين قال:
«إنّ مناهجنا لا تُنتج التطرّف، لكنها لم تنجح دائمًا في تحصين الأفراد ضده»،
ومن هنا، جاءت الحاجة إلى نظام تربوي مرن، متطوّر، وقابل للتحديث المستمر، تقوده قيادة واعية، ويُنفّذه فريق مؤمن بدوره، ويحتضنه مجتمع شريك في المسؤولية.