الذهب يتفوق على سندات الخزانة الأمريكية
لما جمال العبسه
يشهد النظام المالي العالمي اليوم تحولاً تاريخياً غير مسبوق، حيث تجاوزت القيمة السوقية لاحتياطيات الذهب لدى البنوك المركزية العالمية قيمة سندات الخزانة الأمريكية، هذا التطور لا يمكن النظر إليه كحدث مالي عابر، بل هو امتداد لمسار طويل من التحولات النقدية التي بدأت بانهيار نظام بريتون وودز في سبعينيات القرن الماضي (النظام النقدي الدولي الذي تأسس عام 1944 بعد الحرب العالمية الثانية، وربط العملات بالدولار الأمريكي وربط الدولار بالذهب، مما جعل الدولار محور النظام المالي العالمي) ، مروراً بالأزمة المالية العالمية 2008 التي زعزعت الثقة في المؤسسات المالية الأمريكية، وصولاً إلى اللحظة الراهنة التي قد تُعتبر بداية عصر جديد يتجاوز هيمنة الدولار.
في السبعينيات، مثّل انهيار « بريتون وودز « نقطة الانطلاق نحو عالم نقدي أكثر تقلباً، حيث فقد الدولار ارتباطه بالذهب وأصبح معتمدًا على الثقة وحدها، هذا التحول منح الولايات المتحدة قدرة هائلة على استخدام عملتها كأداة للهيمنة الاقتصادية والسياسية، إذ باتت قادرة على تمويل عجزها وتوسيع نفوذها العسكري عبر إصدار سندات مدعومة بمكانة الدولار كعملة احتياطية عالمية، غير أن هذه الهيمنة لم تكن بلا ثمن، فقد زرعت بذور هشاشة ظهرت لاحقاً في الأزمات المالية الكبرى.
مع أزمة 2008، اهتزت صورة المؤسسات المالية الأمريكية التي كانت تُعتبر نموذجًا للاستقرار، انهيار البنوك الكبرى وتدخل الدولة لإنقاذ النظام المالي كشف عن هشاشة البنية التي يقوم عليها الاقتصاد الأمريكي، وأدى إلى تراجع الثقة العالمية في قدرة الولايات المتحدة على إدارة النظام النقدي الدولي، ورغم أن الدولار ظل الملاذ الآمن في تلك المرحلة، إلا أن الأزمة زرعت شكوكاً عميقة حول استدامة هذا الدور.
اليوم، ومع تفوق الذهب على سندات الخزانة الأمريكية في احتياطيات البنوك المركزية، تتجلى ملامح تحول جديد أكثر خطورة، فارتفاع أسعاره وتراجع قيمة السندات لا يعكسان فقط ديناميكيات السوق، بل يعكسان أيضاً قراراً استراتيجياً من البنوك المركزية بالابتعاد عن الاعتماد المطلق على الدولار، هذا الابتعاد يعكس إدراكاً متزايداً بأن القوة الاقتصادية التي سعت الولايات المتحدة لفرضها عبر هيمنتها المالية والعسكرية لم تعد كافية لتثبيت موقعها العالمي، وأن سياساتها لم تعد مجدية أمام صعود قوى جديدة مثل الصين التي تجمع بين النمو الاقتصادي والسياسات النقدية البديلة.
إن هذا التحول يضع الولايات المتحدة أمام معضلة وجودية؛ فاستمرار تراجع الطلب على سنداتها سيجبرها على رفع أسعار الفائدة، ما يزيد من تكلفة الدين العام ويقوض قدرتها على تمويل عجز الموازنة، وفي الوقت نفسه، فإن انخفاض قيمة السندات القائمة سيضعف وظيفتها كأصل احتياطي، ما قد يدفع المستثمرين الأجانب والمحليين إلى التخلص منها تدريجياً، هذه الحلقة المفرغة قد تنتهي بانهيار الثقة في الدولار ذاته، وهو السيناريو الذي يحذر منه خبراء الاقتصاد باعتباره بداية تفكك النظام المالي العالمي كما نعرفه.
إن ما يحدث اليوم هو امتداد لمسار تاريخي طويل من التحولات النقدية، لكنه يختلف في جوهره عن المراحل السابقة؛ فهو يشير الى بداية عصر جديد تتوزع فيه موازين القوة بين أقطاب متعددة، حيث لم يعد الاقتصاد الأمريكي قادراً على فرض سياساته كما كان، ولم تعد القوة العسكرية وحدها كافية لتثبيت موقعه في عالم يتغير بسرعة.