من تحت الركام يولد الأبطال
إسماعيل الشريف
السياسات والهيمنة الناتجة عن الاحتلال الطويل الأمد تؤدّي إلى تغيّرات عميقة في هوية الشعب الواقع تحت الاستعمار؛ فتظهر مقاومة متزايدة، وهوية وطنية متضخّمة، واستعداد أقلّ بكثير للتنازل- عن كتاب تحليل الاحتلال وتأثيره على الفلسطينيين .
إحدى المبادئ الراسخة في علم النفس تقول إن الطفل الذي يرى العالم ظالمًا سيقضي حياته في محاولة تغييره. وإذا أردنا أن نبحث عن المثال الأشدّ قسوةً على ذلك في زمننا الحديث، فلن نجد ما هو أبلغ من تجربة أطفال غزة.
في تقريرٍ للأمم المتحدة صدر بتاريخ 13 تشرين الثاني، تبيّن أن أكثر من تسعة من كل عشرة أطفال يُظهرون سلوكًا عدوانيًا بعد عامين من المجزرة. وهذا أمر غير مستغرَب؛ إذ لا أظنّ أن في التاريخ إبادة جماعية تجرّع الأطفال ويلاتها كما فعل أطفال غزة. فوفقًا لأحدث الأرقام، استُشهد أكثر من 13 ألف طفل، وتعرّض أكثر من 23 ألف طفل لإعاقة دائمة، ويعاني 12 ألف طفل دون سن الخامسة من سوء التغذية. وحتى لحظة كتابة هذه المقالة، وبعد ما سُمّي بوقف إطلاق النار، استُشهد سبعون طفلًا آخر. وفَقَد أكثر من 2600 طفل والديهم معًا، فيما فَقَد نحو 54 طفلًا أحد والديه.
وبحسب التقرير نفسه، فإن 93% من الأطفال أظهروا سلوكًا عدوانيًا، و90% مارسوا العنف تجاه أطفالٍ أصغر سنًا. كما كشف التقرير أن 86% منهم يعانون من الانطواء والحزن، و76% يعانون من اضطرابات في النوم، بينما يرفض 69% منهم الذهاب إلى المدرسة. ويؤكد مكتب الأمم المتحدة أن هؤلاء الأطفال سيحتاجون إلى جهود طويلة ومستمرة للتعافي من آثار ما عاشوه.
وحتى الآن، يعيش أكثر من مليون شخص في غزة داخل 862 موقعًا للنزوح تعاني اكتظاظًا شديدًا وتفتقر إلى أدنى مقوّمات الحياة. وفي هذه المخيمات المتهالكة يقيم أطفال بلا أهل أو معيل، في ظلّ نقصٍ حادٍ في الملاجئ، ما يجعلهم عرضةً لكل أنواع المخاطر.
لا توجد كلمات قادرة على وصف مآسي أطفال غزة، ولا يمكن للعقل أن يتخيّل حجم الأهوال التي ذاقوها خلال العامين الماضيين. ومن الطبيعي تمامًا أن يظهر أطفال غزة سلوكًا عدوانيًا بهذه النِّسب غير المسبوقة في التاريخ، بحسب التقرير؛ فهي نتائج لا تنشأ إلا عن تجارب بالغة القسوة، مغموسة بالعنف والموت والخوف والتهجير.
حين يتعرّض الطفل لما تعرّض له أطفال غزة، ويفقد عائلته ومنزله، ويرى الموت يوميًا ماثلًا أمام عينيه، فإنه يدخل في حالة دائمة من الدفاع عن نفسه، ويُترجم ذلك بسلوكٍ عدواني. فهو لم يعُد يثق بأحد، مقتنعًا بأن العالم لا يفهم سوى لغة واحدة: لغة القوة.
وعندما يُسلب الطفلُ الأمانَ وحقَّه في الحياة، يجد نفسه أمام خيارين لا ثالث لهما: إمّا الانهيار والاستسلام، وإمّا المقاومة بوصفها وسيلته الوحيدة للشعور بالأمان والتنفيس عن غضبه. ونتيجة ذلك يولَد جيلٌ مقاومٌ شديد الصلابة. إن هذا السلوك العدواني يبدأ موجَّهًا إلى الداخل، ضد الإخوة والأقران، لكنه سرعان ما يتحوّل إلى الخارج، موجَّهًا نحو الاحتلال، نحو الجهة التي صنعت هذه المعاناة. ومع الزمن، يتطوّر هذا الفعل إلى عملٍ منظّم، ثم إلى مشروعٍ وطني لا يُرهب ولا يُخضع، لأن الخوف قد مات في قلوب أصحابه.
يعلّمنا التاريخ أن الحروب الطويلة والعنيفة تُنشئ أجيالًا ذات بأسٍ شديدٍ وأكثر قدرةً على المقاومة. ففي الثورة الجزائرية الممتدّة، نشأ الأطفال داخل مشاهد القتل والتعذيب، فخرج جيلٌ تربّى على فكرة التحرير والاستشهاد. وأطفال الحجارة في الانتفاضة الفلسطينية الأولى والثانية أصبحوا اليوم قادة المقاومة وأسراها، ولا شكّ في أنه جيلٌ أقوى ممّن سبقه. وفي فيتنام، تربّى الأطفال تحت القصف الأمريكي، وحين كبروا قادوا بلدًا استطاع أن يهزم أكبر قوة عسكرية في العالم.
ولهذا يقول علماء النفس والاجتماع: كلما طال زمنُ الظلم، ازدادت قوةُ المقاومة عبر الأجيال. وهذا ما دفع أحد المحلّلين العسكريين الأمريكيين إلى القول إن «إسرائيل» تصنع اليوم أكبر تهديدٍ مستقبلي لنفسها، لأنها تخلق جيلًا لا يعرف الخوف.
قد يراهم العالم اليوم ضحايا، بعيونٍ غارقة في الألم وأجسادٍ أنهكتها الحرب، لكن هؤلاء هم بذورُ التحرير القادم. فالأطفال الذين نجَوْا من النار، وحملوا على أعمارهم الصغيرة ذاكرة سنتين من الإبادة، سيقفون في الصف الأول في الفصل المقبل من المقاومة. ثق تمامًا: إنهم ليسوا نهاية الحكاية بل بدايتها.