الملك.. ثبات الدولة في زمن الارتباك
خالد مفلح البداوي
في زمنٍ تتبدّل فيه المواقف كما تتبدّل الرياح، ويضيع فيه صوت الحكمة وسط ضجيج الشعارات، يبرز الملك عبدالله الثاني بوصفه رجل دولة لا يراهن على اللحظة، بل على المستقبل. حضورٌ سياسي هادئ، لكنه عميق الأثر، يختصر معنى الاستمرارية في إقليمٍ اعتاد الانكسارات.
لم يكن الأردن يومًا دولة صاخبة في مواقفها، بل دولة واضحة في مبادئها. وهذا الوضوح هو ما كرّسه الملك عبدالله الثاني منذ توليه سلطاته الدستورية؛ سياسة تقوم على التوازن لا التردد، وعلى الحكمة لا المجازفة. ففي محيطٍ مشتعل، اختار الأردن أن يكون مساحة عقل، لا ساحة صراع.
الملك لا يتحدث كثيرًا، لكنه حين يتحدث يُصغي له العالم. في خطاباته الخارجية، لا يبيع أوهامًا ولا يغازل قوى، بل يضع الحقائق كما هي: فلسطين ليست قضية عابرة، والقدس ليست عنوانًا قابلًا للتفاوض، والاستقرار لا يُبنى على أنقاض العدالة. مواقف ثابتة لم تتغير رغم تغيّر التحالفات، ولم تلن رغم الضغوط.
داخليًا، يدرك الملك أن أخطر ما يواجه الدول ليس الأعداء في الخارج، بل الإحباط في الداخل. لذلك ظلّ يؤكد، قولًا ومعنى، أن كرامة المواطن هي الأساس، وأن الإصلاح ليس ترفًا سياسيًا بل ضرورة وطنية. قد تتعثر المسارات، وقد تتأخر النتائج، لكن الاتجاه ظل واحدًا: دولة قانون، ومؤسسات، وعدالة اجتماعية.
ما يميّز الملك عبدالله الثاني ليس فقط موقعه، بل فهمه العميق لتعقيدات المرحلة. فهو لا ينظر إلى الأردن كجزيرة معزولة، بل كدولة تتأثر وتؤثر، تتألم لكنها لا تنكسر، وتُحاصَر لكنها لا تتخلى عن ثوابتها.
في زمن الشعارات العالية والنتائج المنخفضة، يبقى الرهان على القيادة الهادئة التي تعمل أكثر مما تتكلم. والملك عبدالله الثاني، بما راكمه من تجربة ورؤية، يمثل نموذجًا لزعامة تعرف أن حفظ الدولة لا يكون بالصوت العالي، بل بالعقل الراجح والإرادة