"تنظيم الإعلام الرقمي" يُعيد الأردنيين إلى مربع "الجرائم الإلكترونية"
أثار مشروع نظام تنظيم الإعلام الرقمي لسنة 2026 في الأردن موجة جدل واسعة داخل الأوساط الإعلامية والحقوقية، حيث ينقسم الرأي بين من يراه خطوة تنظيمية ضرورية لضبط الفضاء الرقمي المتسارع، وبين من يحذر من أنه يمثل انتكاسة جديدة لحرية التعبير في ظل سجل سابق من القيود التشريعية.
ونشرت مسودة النظام مؤخراً للنقاش العام، ويهدف -حسب الحكومة ونقابة الصحفيين الأردنيين- إلى وضع إطار قانوني متكامل لتنظيم الإعلام الرقمي الذي يشمل المواقع الإخبارية الإلكترونية والمنصات وصناع المحتوى المهني والحسابات ذات الطابع التجاري أو الإعلامي المنظم، مع التركيز على الترخيص والإفصاح عن المصادرومكافحة الإشاعات، وحماية حقوق الملكية الفكرية.
لكن منتقدي النظام يرون فيه محاولة لتوسيع نطاق الرقابة على الفضاء الرقمي بعد قانون الجرائم الإلكترونية المثير للجدل عام 2023. ومن أبرز نقاط الخلاف، إلزام الترخيص والتسجيل للمواقع والحسابات التي تنشر محتوى بشكل منتظم أو احترافي، مع غرامات مالية وعقوبات تصل إلى الحجب في حال عدم الامتثال.
ويخشى الكثيرون أن يشمل ذلك المدونين المستقلين وصناع المحتوى على منصات التواصل، مما يحد من حرية النشر الفردي.
كما تثير صلاحيات الضابطة العدلية وآليات الرقابة والحجب السريع، دون ضمانات كافية للتقاضي العادل أو الشفافية، جدلا واسعا.
وينتقد مراقبون الغموض في التعريفات، ما يفتح الباب للتفسير التعسفي واستهداف المعارضين أو الأصوات الناقدة.
ويعتقد منقدون أن النظام يحمل طابعاً جبائياً أكثر منه تنظيمياً مهنياً، مع رسوم ترخيص وتجديد قد تثقل كاهل المؤسسات الصغيرة والمتوسطة.
وأكد طارق المومني، نقيب الصحفيين الأردنيين، أن النظام "تشريع تنظيمي بحت" يركز على تنظيم الأنشطة الإعلامية الاحترافية والمنظمة دون المساس بحرية الرأي والتعبير أو الحريات الصحفية.
وأوضح أن المشروع يحافظ على تماسك المجتمع ويعزز مكانة الأردن في المشهد الإعلامي الإقليمي، مشدداً على أنه لا يستهدف النشر الفردي أو الشخصي.
ودافعت لجنة الحريات في نقابة الصحفيين الأردنيين عن المشروع، مؤكدة أنه "تشريع تنظيمي" لا يمس حرية التعبير ولا يستهدف الأفراد أو الآراء الشخصية، بل ينظم فقط الأنشطة الإعلامية المنظمة والتجارية، ويحمي المهنة من الفوضى والمحتوى غير المسؤول.
وأشاد مختصون في القطاع الإعلامي – بحسب تصريحات نقلتها وكالة الأنباء الأردنية (بترا) – بأهمية المشروع في مهننة الإعلام الرقمي، تعزيز الاحترافية، حماية الاستثمار في القطاع، ورفع جودة المحتوى الأردني، معتبرين أنه يواكب التطورات التقنية المتسارعة ويضع أسساً متوازنة لتنمية هذا المجال بشكل أصولي.
على الجانب الآخر، عبرت شخصيات وجهات حقوقية وسياسية عن مخاوف عميقة.
فقد وصفت مذكرة مفتوحة وقّعت عليها شخصيات أردنية وأحزاب ومنظمات حقوقية المسودة بأنها "تنطوي على مساس مباشر بحرية الرأي والتعبير" من خلال إخضاع النشر الرقمي وصناعة المحتوى للترخيص المسبق، محذرة من مخاطر دستورية وسياسية جسيمة.
ويأتي الجدل في سياق تراجع ملحوظ في مؤشرات حرية الصحافة في الأردن خلال السنوات الأخيرة، حيث صنفت منظمات دولية مثل "مراسلون بلا حدود" و"فريدوم هاوس" البلاد ضمن الدول التي تشهد تضييقاً متزايداً على الإعلام الرقمي، خاصة بعد تطبيق قانون الجرائم الإلكترونية الذي استخدم لملاحقة صحفيين وناشطين.
ومن المتوقع أن يستمر النقاش الحاد حول المسودة خلال الفترة المقبلة، مع مطالب من منظمات حقوقية وإعلاميين بإجراء حوار وطني حقيقي وتعديلات جوهرية تحمي حرية الرأي والتعبير المنصوص عليها في الدستور الأردني، قبل إقرار النظام النهائي.
وشهد الإعلام في الأردن تحولاً عميقاً، وأصبحت منصات التواصل الاجتماعي قنوات رئيسية لنشر الأخبار والرأي، حيث يتجاوز معدل انتشار الإنترنت في الأردن اليوم 92% من السكان، وفق أحدث الإحصاءات المتاحة حتى نهاية 2025.
لكن هذا التوسع السريع رافقه تحدٍ مزدوج: من جهة، أتاح الفضاء الرقمي حرية أكبر في التعبير وتنوعاً في المصادر، ومن جهة أخرى أثار مخاوف لدى السلطات من انتشار المعلومات المضللة، الإشاعات، والمحتوى غير المنظم، خاصة في سياقات سياسية وأمنية حساسة.
جاء قانون الجرائم الإلكترونية لعام 2023 كأحد أبرز الاستجابات التشريعية لهذه التحديات، لكنه أثار انتقادات واسعة بسبب ما اعتبره توسعاً في نطاق العقوبات على حرية الرأي، وفي نفس السياق يندرج مشروع نظام تنظيم الإعلام الرقمي لسنة 2026.
العرب اللندنية