تمكين الجيش العربي: قراءة استراتيجية في التوجيه الملكي ومسؤولية المرحلة

المهندسة نور أحمد اللوزي

 

يأتي التوجيه الملكي السامي بإعداد استراتيجية شاملة وخارطة طريق لإحداث تحول بنيوي

 في القوات المسلحة الأردنية – الجيش العربي، بوصفه محطة مفصلية في مسار تحديث الدولة وتعزيز مناعتها الوطنية، إذ لا يمكن قراءة هذا التوجيه على أنه قرار تنظيمي عابر، بل هو رؤية استراتيجية متكاملة تنطلق من فهم عميق لطبيعة التحولات الجيوسياسية والتكنولوجية المتسارعة، وتؤسس لمرحلة جديدة يكون فيها الجيش العربي أكثر قدرة على التكيّف، وأكثر جاهزية للتعامل مع التهديدات المركبة، وأكثر انسجاماً مع متطلبات الأمن الوطني في زمن تتبدل فيه أنماط الصراع وأدوات الردع.

وتبرز أهمية الرسالة الملكية في شموليتها ووضوح أهدافها، حيث تؤكد على بناء قوات مسلحة رشيقة ومرنة ونوعية، تمتلك عقيدة قتالية دقيقة وقابلة للتطبيق، وتتقن أساليب الحرب الحديثة والهجينة وغير التقليدية، مع توظيف فاعل لقدراتها الدفاعية والهجومية، وتطوير مستمر لخطط التدريب والتسليح بما يخدم الخطط التعبوية، وهو ما يعكس إرادة واضحة للانتقال بالجيش العربي من منطق التحديث الجزئي إلى منطق التحول البنيوي الشامل، القائم على الكفاءة والاحتراف والجاهزية القتالية المستدامة.

وبصفتي ابنة مؤسسة الجيش العربي المصطفوي وتربيت ببيت عسكري بكل فخر، فإن هذه الرسالة تمس الوجدان الوطني بعمق، فالجيش العربي بالنسبة لنا ليس مجرد مؤسسة، بل هو ذاكرة وطنية حيّة، وقصة تضحيات متواصلة، ومدرسة للقيم والانضباط والشرف، وحين يؤكد جلالة الملك على تمكين الجيش وتطويره وفق رؤية علمية وتقنية متقدمة، فإنه يعيد التأكيد على أن قوة الدولة تبدأ من قوة جيشها، وأن الاستثمار في الإنسان العسكري، تدريباً وتأهيلاً وتسليحاً، هو استثمار مباشر في أمن الأردن واستقراره ومستقبله.

كما تحمل الرسالة بعداً مؤسسياً متقدماً، يتجلى في التركيز على حماية مراكز الثقل الاستراتيجية والعملياتية، وتعزيز منظومات القيادة والسيطرة والاتصالات لتكون فاعلة وموثوقة وآمنة، إلى جانب الاستثمار في مجالات العمليات السيبرانية الدفاعية والهجومية، وتوظيف تكنولوجيا الأنظمة المسيرة والذكاء الاصطناعي على مختلف المستويات، فضلاً عن تطوير الصناعات الدفاعية الوطنية عبر إعادة توجيه دور المركز الأردني للتصميم والتطوير ليكون نواة حقيقية للبحث والتطوير والتصنيع الدفاعي، بما يواكب أحدث المواصفات العالمية ويلبي الاحتياجات الوطنية بكفاءة واستقلالية.

إن هذه الرؤية الملكية تفرض علينا، كمجتمع ومؤسسات ونخب وطنية، مسؤولية السير خلف هذا التوجه بثقة ووعي، ودعم كل ما من شأنه تمكين الجيش العربي وتطويره، ليس بوصفه خياراً، بل باعتباره ضرورة وطنية واستراتيجية، فبهذا النهج، وبهذا التخطيط المدروس، سيبقى الجيش العربي المصطفوي كما عهدناه دوماً، سياج الوطن المنيع، وعنوان قوته، وضمانة أمنه واستقراره، في حاضر مليء بالتحديات ومستقبل نصنعه بالإرادة والعلم والعمل، وكلنا خلف الجيش وخلف قيادة جلالة مليكنا المفدى.