حين يترك الأقوياءُ حراسةَ الحياة
محمد الحواري
تخيل أن حارس الإطفاء في حيٍّ مزدحم بالبيوت الخشبية، قرر فجأة أن يغادر موقعه ويرحل؛ ليس لأن النار خمدت، بل لأنه اختلف مع الجيران على ثمن شاحنة المياه. الناس في ذلك الحي لا تهمهم تفاصيل الجدل، ولا يعنيهم من المخطئ.. كل ما يعرفونه أن ألسنة اللهب تقترب من غرف نوم أطفالهم، وأن المقعد الذي كان يفترض أن يجلس عليه "المنقذ" أصبح شاغراً.
بهذا المشهد المثقل بالقلق، يمكننا قراءة انسحاب الولايات المتحدة من منظمة الصحة العالمية. إنه ليس مجرد خروج من اتفاقية، بل هو "زلزال إنساني صامت". دويّ هذا الزلزال لا يتردد صداه في أروقة جنيف أو واشنطن، بل في مخيمات اللاجئين حيث يترقب الناس وصول اللقاح، وفي غرف الطوارئ المتهالكة في القرى المنسية، وفي أنين الأمهات اللواتي يلدن في مدنٍ بلا رعاية.
الولايات المتحدة لم تكن مجرد دولة عضو؛ كانت رئةً يتنفس من خلالها النظام الصحي العالمي. وعندما تتوقف هذه الرئة، لا تسقط الأوراق السياسية أولاً، بل تسقط برامج التطعيم، وتتأخر شحنات الأدوية المنقذة للحياة، وتتفكك خطوط الدفاع الأولى التي تحمينا من الأوبئة العابرة للحدود. نحن هنا لا نتحدث عن أرقام في موازنة ضخمة، بل عن حيوات كانت ستستمر، وعن أمراض كان يمكن حصارها لولا أن يد المساعدة قررت فجأة أن تنسحب.
في لحظات الكوارث، تكون منظمة الصحة العالمية هي "المايسترو" الذي يقود سيمفونية البقاء. غياب لاعب بهذا الثقل لا يعني فجوة مالية فحسب، بل يعني كسر ثقة العالم في "المسؤولية الجماعية". لقد تحولت الصحة من حق إنساني مقدس إلى "بندٍ للتفاوض"، وحين تصبح حياة البشر ورقة ضغط سياسية، فإن الإنسانية كلها تدخل منطقة رمادية، يتراجع فيها التضامن ويُترك فيها الأضعف وحيداً يصارع قدره.
الحقيقة التي يرفضها البعض هي أن الأوبئة لا تحمل جوازات سفر، ولا تعترف بالحدود المرسومة على الخرائط. فيروس واحد في قرية نائية لا يجد من يحاصره، قد يجد طريقه إلى قلب أكثر المدن تحصيناً. لذا، فإن الانسحاب من حماية الآخرين ليس عزلاً للدولة عن المخاطر، بل هو عزلٌ لها عن الحلول، وتجريدٌ لها من درعها الأخلاقي.
السؤال الذي يطرحه ضمير العالم اليوم: إذا قرر الكبار التخلي عن حراسة سقف العالم الصحي، فمن سيبقى لترميم الثقوب؟ ومن سيدفع الثمن حين تطرق الجائحة القادمة أبواب الجميع دون استئذان؟.
في عالم الصحة، الصمت والانسحاب ليسوا مواقف سياسية.. إنها قرارات تُكتب حبراً، وتُنفذ أرواحاً!!.