حين أصبح الطالبُ عميلاً… والتعليمُ صناعة العقول
د. مأمون سليمان
في مقالي السابق «العلم وما أدراك ما العلم!» حاولتُ أن أزيل الغشاوة عن مفهوم العلم ذاته، ذلك المفهوم الذي أُحيط بهالة من التقديس، حتى غدا في أذهان كثيرين مرادفًا للشهادة لا للفكر، وللدرجات لا للمعرفة. واليوم، أتابع هذا الخيط ذاته من زاوية أخرى، أكثر واقعية وجرأة، هي: المؤسسة التعليمية ذاتها، وكيف تحوّل التعليم فيها إلى سلعة، والطالب إلى عميل، والجامعة إلى شركة.
في هذا الزمن التجاري المعرفي، صار على المؤسسات التعليمية أن تعيد بلورة مفهوم التعليم بما يتوافق مع قدرات الطالب وإمكاناته ورغباته، على قاعدة أن «العميل دائمًا على حق». هذا التحول لا يضير الجامعات، ولا يقلل من شأنها بوصفها مصانع للعقول، بل يمنحها الفرصة لتكون أكثر مرونة وابتكارًا في صوغ مناهجها، وأساليب تدريسها، وطرائق تقييمها، وحتى مواعيد محاضراتها.
إن على الجامعات اليوم أن تعيد التفكير في بنيتها التعليمية، عبر خطوات واقعية يمكن تلخيصها فيما يلي:
•نموذجان مرنان للتعليم: حضوري وعن بُعد.
•برامج علمية متكيّفة: تراعي حاجات الطالب وسوق العمل لا الروتين الأكاديمي.
•زمن المحاضرة وجدولها: إذ لا يمكن في زمن السرعة أن تبقى المحاضرة ساعة أو أكثر، ولا أن تبدأ في الثامنة صباحًا ويُطلب من الطالب أن يبدع!
•الشغف قبل المعدل: فليس المعدل مقياسًا للجدارة، بل الرغبة الحقيقية في التعلم.
•تقييم بالمنتج لا بالامتحان: فالقيمة في ما يقدمه الطالب من عملٍ أو فكرةٍ أو تصميمٍ أو نصّ، لا فيما يكتبه في ورقة امتحان.
•المدرّس موجِّه لا ملقِّن: ليصبح التعليم إشرافًا إبداعيًا لا تلقينًا روتينيًا.
•تجاوز مفهوم الصف والغياب: لأن الحضور الحقيقي في التعليم هو حضور الفكر لا الجسد.
ولعلّ ما يؤكد جدوى إعادة توظيف التعليم، مثال بسيط من واقع التعليم المدرسي في الأردن: نحو 200 ألف طالب في الثانوية العامة، تُنفق عليهم الدولة مئات الملايين، بينما نجد مدرسًا خصوصيًا واحدًا يدرّس خمسة آلاف طالب سنويًا بنتائج مرضية. لو جمعنا هذا النموذج رقميًا، لوجدنا أن 320 مدرسًا فقط يمكنهم تغطية جميع طلاب الثانوية العامة في البلاد. لم يُميّع ذلك المدرس التعليم، بل أعاد توظيفه بما يناسب زمن السرعة والحاجة.
وهنا تبرز الرسالة الأعمق: إعادة توظيف التعليم لا تعني تمييعه، بل إعادة هندسته. الجامعات التي لا تدرك ذلك ستتحول بعد عقدٍ من الزمن إلى كتل إسمنتية ضخمة تضم أعدادًا من الطلبة بلا روح ولا غاية.
إن التعليم الحقيقي ليس في الشهادة، ولا في البناية، ولا في اللوائح، بل في الشغف الذي يُشعل العقول. فحين تفهم الجامعات أن الطالب ليس متلقيًا بل شريكًا، عندها فقط يمكن أن نقول إننا انتقلنا من العلم بوصفه شعارًا إلى العلم بوصفه حياة.