الدبلوماسية والإعلام والاقتصاد ... عندما يصبح المؤتمر رسالة عميقة وناعمة
بقلم المستشار محمد صالح الملكاوي
أرسل مؤتمر الدبلوماسية والإعلام والاقتصاد الذي عُقد في عمّان مؤخراً رسالة سياسية ناعمة إلى صُنّاع القرار والمُخططين والمُنفذين على مستوى الحكومات والإعلام والاقتصاد رسالة تعكس إدراكاً مُتقدماً لطبيعة الصراعات الحديثة في زمن الرقمنة والذكاء الاصطناعي، حيث لم تعد الدبلوماسية حِكراً على السفارات فقط، بل باتت الدبلوماسية تُدار عبر الإعلام والاقتصاد والمنصات الاجتماعية الجماهيرية، في زمن تتقدم فيه الرواية الواثقة، الممزوجة بالدبلوماسية والإعلام والاقتصاد على القوى الأخرى بما فيها قوّة السلاح.
ولاحظتُ على مدى جلسات المؤتمر الذي شارك فيه مسؤولون وخبراء ومُختصون على المستويات الأردنية والإقليمية والدولية بأن الحوارات عكست فهماً عميقاً في تلاقي الدبلوماسية مع الإعلام والاقتصاد، بعدما غدت الصورة الإعلامية شرطاً رئيسياً لجذب الاستثمار من جهة، وأن الاستقرار الاقتصادي أصبح لغة مشتركة بين الدول والأسواق من جهة ثانية، بالتوازي مع الخطاب السياسي الرسمي الذي يهدف إلى بناء الثقة محلياً وإقليمياً ودولياً من جهة ثالثة.
كما لاحظتُ كرئيس لوِحدِة ثقافة السلام في الشرق الأوسط بأن المؤتمر تجاوز الدور التقليدي للإعلام كناقل للأحداث، ليضع الإعلام في موقع الشريك الاستراتيجي وصانع الحدث والتأثير، وذلك ضمن مفهوم مُتقدم للدبلوماسية الإعلامية التي أصبحت أداة ضغط ناعمة في حُسن إدارة الأزمات، وتحسين صورة الدول، والتأثير الإيجابي في الرأي العام العالمي.
لهذا أقول بكل قناعة بأن المؤتمر الذي نظمته وأدارت محاوره في التحضيرات ووراء الكواليس رئيسة المركز الريادي للتدريب على حقوق الإنسان والدراسات رانيا حدادين بأنها تمكنت بِحرفية عالية من الربط المتناغم بين الدبلوماسية والإعلام والاقتصاد، هذا إلى جانب أنها أحسنت اختيار الشخصيات الكفؤة والمتخصصة للمشاركة في المؤتمر، لضمان حواراً نوعياً متوازناً وثرياً، وربطاً ذكياً بين الخبرة العملية والرؤية الاستراتيجية، وأسهمت جهودها في إخراج المؤتمر بصورة تعكس جدّيته وعمقه، في زمن أصبحت وسائل الإعلام والإعلام المجتمعي أداة ناعمة قوية للتأثير المجتمعي.
هذا قد قدّمت جلسات المؤتمر (الاقتصاد)، ليس كأرقام ومؤشرات، بل كأداة من أدوات الأمن الإنساني، عبر التركيز على قطاعات الزراعة الذكية، وريادة الأعمال، والاستدامة، بما يعكس القناعة بأن الاستقرار يبدأ من الأمن الغذائي وفرص العمل قبل أي معادلة سياسية.
كما قدمت جلسات المؤتمر (الدبلوماسية) باعتبارها الحلقة الناظمة بين الخطاب السياسي والتأثير الإعلامي والحِراك الاقتصادي، إذ لم تعد الدبلوماسية محصورة في العلاقات الرسمية بين الدول، بل أصبحت أداة لإدارة المصالح، وبناء الثقة، وتسويق الاستقرار، وتهيئة البيئة السياسية التي تسمح للإعلام بصناعة رواية متوازنة، وللاقتصاد بالتحرك والاستثمار ضمن مناخ آمن وقابل للاستدامة.
وقدمت جلسات المؤتمر (الإعلام) باعتباره القوة الناعمة التي تنقل الرسائل الدبلوماسية من إطارها الرسمي إلى الفضاء العام، ويحوّل السياسات والقرارات الاقتصادية إلى رواية مفهومة ومؤثرة، تسهم في تشكيل الرأي العام، وتعزيز الثقة، وجذب الاستثمار، وبناء صورة ذهنية إيجابية للدول والمؤسسات في بيئة دولية تتقدم فيها الصورة والخطاب على القرار السياسي ذاته.
ويبقى القول، بأنني على قناعة بأن مؤتمر الدبلوماسية والإعلام والاقتصاد لم يسعَ إلى شرح الواقع فحسب، بل سعى إلى إعادة تشكيل أدوات التأثير فيه، للتأكيد على أن الإدارة الذكية للمؤتمرات، وحُسن اختيار العقول المُشاركة، باتت جزءاً لا يتجزأ من القوة الناعمة، ومن لا يمتلك رواية إعلامية مؤثرة، واقتصاداً مرناً، وخطاباً دبلوماسياً ذكياً، سيكون خارج معادلة المستقبل ... لهذا أقول بأن رانيا حدادين استطاعت أن تستشرف المستقبل من خلال حاجتنا في الأردن وفي المنطقة لتقوية جسور الاتصال والعمل بين الدبلوماسية والإعلام والاقتصاد.