عام ترمب الأول في ولايته الثانية
بشار جرار
الشطر الأول حقيقة أما الثاني ففيه قولان! حتى ساعة إعداد هذه المقالة لم يحسم الرئيس الخامس والسابع والأربعون للولايات المتحدة أمره على نحو قطعي نهائي لا لبس فيه، أن الولاية الثانية لدونالد جيه ترمب ستكون الأخيرة. ما زالت غرفة أو رفوف الهدايا التذكارية في البيت الأبيض، تحوي قبعات كتب عليها شعار «ترمب 2028»!
لكن إيقاع العام الأول، لا بل المئة يوم الأولى في ولايته الثانية، فاق في تسارعه ووتيرته وشدته «الدراماتيكية»، فاق من حيث الإثارة والتداعيات ما يعد ثلاث ولايات رئاسية متتابعة أو متفرقة، كما يلمح بالمخرج من العرف والقانون المتبع بعدم بقاء رئيس في البيت الأبيض لأكثر من عهدتين رئاسيتين.
لعمق التغييرات المدعومة في عدد غير مسبوق من الأوامر التنفيذية، ارتأى خصوم ترمب بمن فيهم من هم من حزبه الجمهوري لا بل من حركته «ماغا»، ارتأوا الاكتفاء بانتظار مرور العاصفة الترامبية، بعضهم ينتظر نوفمبر الجاري بفارغ الصبر، لتغيير في مجلسي الكونغرس يهدّئ من اندفاع ترمب وجموح الترمبيين، وبعضهم الآخر سلّم لحقيقة اتضحت من الولاية الأولى، وهي قدرة ترمب على النجاة سياسيا وقضائيا حتى وإن استعاد الديموقراطيون مطرقة الرئاسة في مجلس النواب، أو الغالبية في مجلس الشيوخ، أو حتى تقليص الفارق بين المشرعين في المجلسين من الحزبين اللذين صارا أكثر استقطابا في المجتمع وحتى الأسر الأمريكية، وأعمق انقساما وأشد تشظيا داخل معسكري الحزبين.
الفارق الحقيقي لما نشهده أمريكيا وعالميا كأثر لساكن البيت الأبيض وتوازنات الحزبين في السلطتين التشريعية والقضائية الذي ما زال لصالح الجمهوريين، ذلك الفارق لن يتضح إلا في حالة خسارتهم للبيت الأبيض ومجلسي الكونغرس أي انقلاب كامل للثقل السياسي، وذلك أمر مستبعد إلى حد كبير، على الأقل إلى ما بعد الرئاسة المقبلة، جمهورية كانت أم ديموقراطية.
وإن كان أقرب الحلفاء كبريطانيا وحلف الناتو برمته وحتى إسرائيل، موضع تجاذب بين الحزبين وداخل كل منها، فيا سعد من نأى ببلاده ومصالحه العليا وأمنه القومي عن «ألاعيب» السياسة ودهاليزها في الغرب، وسراديبها في الشرق. ما من بريء ولا قديس في عالم تحكمه المصالح وتحركه قوانين الطبيعة، طبيعة الأشياء والسياسة كما الاقتصاد كما الأمن كما علوم الاجتماع، لا تختلف عن القوانين المادية الطبيعية، كالجاذبية والطرد المركزي والأواني المستطرقة!
من الآخر، الجمود والفراغ شر مطلق.. الاشتباك الإيجابي هو ديدن الواثق بنفسه، العارف بحجم غيره، الواعي لنقاط القوة والضعف بالاتجاهات كافة. السياسة متحركة بطبيعتها. لا تعرف السكون وإن أحببنا التغني دائما بالثوابت. الثوابت تعرّفها وتحددها البوصلة ومن كانت بيمينه.. عام مرّ الثلاثاء في العشرين من يناير 2026، وولاية ستمر في نوفمبر 2028، والثابت أن أقدر الناس على التفاهم والتحالف أو التحدي والتنافس والخصومة إن لزم الأمر، هم الأصدق مع أنفسهم ومع شعوبهم، وتلك ميزة لا يملكها إلا المتميزون في عالم اليوم، خاصة في الشرق الأوسط الرابض الآن على مفترق طرق تاريخي.
العلاقات الأردنية الأمريكية متميزة، كانت وستبقى..