جمال الرقاد ... نموذج أردني في المسؤولية والانتماء
ليث الفراية
ليس كل من يتقن الكلام قادرًا على إدارة التواصل، وليس كل من يشغل موقعًا قياديًا قادرًا على فهم الإنسان فبين كثرة الخطابات وضجيج الرسائل، تضيع أحيانًا القيمة الحقيقية للاتصال، ويغيب جوهره الأخلاقي هنا تحديدًا يمكن قراءة تجربة جمال الرقاد، لا بوصفها قصة نجاح جاهزة، بل كنموذج يستحق التوقف عنده والتحليل.
ما يميّز الرقاد ليس حضوره الإعلامي ولا موقعه الوظيفي، بل طريقته في الفهم فهو لا يتعامل مع الاتصال باعتباره أداة للعرض أو التلميع، بل كمساحة حساسة تتطلب وعيًا عاليًا بمشاعر الناس، وقدرة على قراءة السياق قبل صياغة الرسالة هذا الوعي لا يُكتسب بالتدريب وحده، بل يتشكل عبر التجربة والاحتكاك الحقيقي بالناس.
في أسلوبه القيادي، يبتعد جمال الرقاد عن نمط القائد المتسلّط أو المتعالي، ويقترب أكثر من نموذج القائد المُصغي حيث لإصغاء هنا ليس ضعفًا، بل مهارة نادرة، تمنحه القدرة على فهم التناقضات داخل أي فريق عمل، وعلى إدارة الاختلاف دون تحويله إلى صراع. وهذه سمة قيادية لا تظهر في الشعارات، بل تُلمس في التفاصيل اليومية.
يمكن ملاحظة أن الرقاد لا يميل إلى الاستعراض أو فرض الحضور، بل يفضّل أن يكون تأثيره هادئًا وتراكميًا هذا الخيار، وإن بدا أقل بريقًا، إلا أنه يعكس قناعة داخلية بأن القيادة الحقيقية لا تحتاج إلى ضوء دائم، بل إلى ثبات في الموقف، واتساق بين القول والفعل وهنا تكمن نقطة قوته، وأحيانًا نقطة تحدّيه أيضًا، في بيئات تفضّل الصوت العالي على العمق.
نقديًا، قد يرى البعض أن هذا الأسلوب الهادئ يحتاج أحيانًا إلى حزم أوضح، خاصة في لحظات الأزمات أو الضغط العالي غير أن الرقاد يبدو واعيًا لهذا التوازن الدقيق، فيحاول الجمع بين الحزم الإنساني، لا السلطوي، وبين الوضوح دون قسوة وهو توازن صعب، لا ينجح فيه كثيرون.
على المستوى الإنساني، لا يفصل جمال الرقاد بين الإنسان ودوره المهني هذه النقطة تحديدًا تضعه في مواجهة دائمة مع سؤال أخلاقي إلى أي حد يمكن للرسالة أن تكون صادقة دون أن تكون جارحة؟ وإلى أي حد يمكن للموقف أن يكون إنسانيًا دون أن يُساء فهمه؟ طريقته في التعامل مع هذه الأسئلة تكشف عن قائد لا يهرب من التعقيد، بل يعترف به ويتعامل معه بحذر.
في علاقته مع من حوله، يظهر الرقاد كشخص يقدّر الجهد أكثر من المظاهر، ويحترم الفكرة الجيدة مهما كان مصدرها وهذا ما يمنحه قبولًا طبيعيًا داخل أي بيئة يعمل فيها، قبولًا لا يُفرض بالمنصب، بل يُكتسب بالثقة المتبادلة ومع ذلك، فإن هذا القرب الإنساني يتطلب منه جهدًا مضاعفًا للحفاظ على المسافة المهنية، وهو تحدٍّ يدركه ويتعامل معه بوعي.
في المحصلة، لا يمكن اختزال جمال الرقاد في صورة مثالية أو نموذج خالٍ من الملاحظات بل هو شخصية قيادية قابلة للنقد، للتطوير، وللمساءلة الفكرية، وهذا بحد ذاته ما يمنحها قيمتها فالقائد الحقيقي ليس من يدّعي الكمال، بل من يعرف حدوده، ويعمل على تجاوزها دون أن يفقد إنسانيته.
الحديث عن جمال الرقاد ليس حديثًا عن منصب أو وظيفة، بل عن فهم مختلف لمعنى القيادة والاتصال؛ فهم يرى أن الكلمة مسؤولية، وأن الصمت أحيانًا موقف، وأن الأثر الحقيقي لا يُقاس بما يُقال، بل بما يبقى في الذاكرة والسلوك بعد انتهاء الحوار.