وصفة تغيير الأنظمة
إسماعيل الشريف
شركات النفط الأمريكية تريد «تغييرات كبيرة» في النظامين السياسي والاقتصادي قبل العودة للاستثمار غريغوار بو غيوم، رئيس شركة إكسون موبيل النفطية.
في الغرب، لا يكاد أمرٌ يخلو من وصفةٍ جاهزة أو كتيّبٍ إرشادي يشرح أدقّ التفاصيل؛ من إصلاح الأجهزة والماكينات وفحصها وصيانتها، إلى تنظيم خطوات العمل، وصولًا إلى تغيير الأنظمة السياسية.
أمّا وصفة تغيير الأنظمة، فتبدأ بنزع الشرعية عن النظام القائم، وتهيئة الرأي العام لتقبّل فكرة إسقاطه، وبناء مسوّغٍ أخلاقي يبرّر التدخل.
هكذا جرى في العراق، حيث صُوِّر الرئيس العراقي صدام حسين ديكتاتورًا يمتلك أسلحة دمار شامل تهدّد العالم، وتربطه علاقات بتنظيم القاعدة المسؤول عن ضرب برجي التجارة في الولايات المتحدة. وبالتوازي، عملت ماكينة الإعلام الغربية على الترويج زورًا لرواية مفادها أن القذافي يقتل المتظاهرين.
واليوم في إيران، اندلعت احتجاجات اقتصادية بفعل الأوضاع المعيشية الصعبة، ثم جرى توظيفها داخل سردية سياسية جرى تضخيمها وتسويقها بوصفها ملحمة حرية في مواجهة الطغيان. ومع انسجام تصريحات الرئيس الأمريكي مع هذه السردية، تتحوّل الاحتجاجات إلى ثنائية حادّة بين الخير والشر، تمهيدًا لتهيئة الرأي العام الدولي لتقبّل أي تدخل محتمل.
ومن الضروري إدراك أن تغيير الأنظمة لا تحكمه الاعتبارات الأيديولوجية ، بل يتجاوزها إلى أهدافٍ براغماتية، في مقدّمتها السيطرة على موارد النفط وفتحها أمام الشركات الأجنبية. فالرئيس صدام حسين، على سبيل المثال، حظي بدعم الغرب في مرحلةٍ من المراحل، قبل أن يحاربوه، وهو مصيرٌ لم يختلف عن مصير رؤساء آخرين كحسني مبارك أو نورييغا.
وفي المرحلة الثانية، يجري خنق الدولة اقتصاديًا عبر فرض العقوبات. وقد تجلّى هذا الأسلوب بصورةٍ مأساوية في العراق، إذ أسفرت العقوبات عن وفاة نحو مليوني طفل، وهو ثمنٌ صرّحت وزيرة الخارجية الأمريكية مادلين أولبرايت بأنه «مناسب» قياسًا بالمكاسب التي حققتها الولايات المتحدة.
وعقب ذلك، تبدأ المرحلة الثالثة المتمثّلة في تقديم الدعم المالي وتسليح قوى المعارضة، أو عبر توفير أدواتٍ بديلة، كقطع الإنترنت الرسمي وتهريب أجهزة «ستارلينك» إلى إيران لتجاوز الحجب، بما يمنح المحتجّين قنوات اتصال مستقلة يصعب مراقبتها. وهكذا يخدم هذا النهج المحتجّين من جهة، ويضمن في الوقت ذاته تدفّق المعلومات بشكلٍ مستمر إلى الأطراف الخارجية.
وأخيرًا، إذا أخفقت جميع المراحل السابقة في إسقاط النظام بعد تشويهه سياسيًا، وخنقه اقتصاديًا، ودعم قوى المعارضة يُصار إلى المرحلة الأخيرة، وهي العمل العسكري. وهذا العمل لا يشترط أن يكون غزوًا شاملًا على غرار ما جرى في العراق، بل قد يتخذ صورًا أقل اتساعًا، كالسعي إلى اعتقال الرئيس، كما طُرح في حالة مادورو رئيس فنزويلا، أو تنفيذ ضربة جوية ضد إيران، كما يُروَّج له في الخطاب السياسي والإعلامي الأمريكي.
وفي منطقتنا، تُستكمل هذه الوصفة بإضافة «الملح والبهارات»، والمقصود بها الكيان الصهيوني، الذي يقوم بدور الذراع المتقدّمة للولايات المتحدة؛ يزوّدها بالمعلومات، ويُضخّم حضورها ودورها، ويُسهم في شيطنة النظام المستهدف بإسقاطه. ومن الأمثلة على ذلك مسألة تهريب أجهزة «ستارلينك» إلى إيران، وهي بحسب ما أُعلن من اختصاص الموساد، إذ صرّح عددٌ من العسكريين الأمريكيين بأن هذه العمليات ستُنسَّق معه، نظرًا لما يمتلكه من شبكة عملاء فاعلة داخل إيران. وعليه، حين تشير إيران إلى دور الموساد والجماعات الإرهابية، فإنها لا تطلق اتهاماتٍ عبثية، غير أن صوتها غالبًا ما يختفي وسط الضجيج الإعلامي الكثيف المناهض لها.
ومن اللازم الحكم على هذه التدخلات من خلال نتائجها النهائية، إذ لم تُفضِ يومًا إلى خيرٍ لأيّ بلد. ففي أفغانستان انتهى الأمر بعودة طالبان إلى السلطة، وفي العراق عاش البلد سنواتٍ مديدة من الاحتراب الطائفي انتهت بولادة تنظيم «داعش»، أمّا ليبيا فما تزال غارقة في فوضى ممتدّة. وغالبًا ما يُسدل الستار على المشهد بالطريقة ذاتها: تُنجَز الأهداف المرسومة ولو تغيّرت أثناء الطريق وتُنهَب مقدّرات الأوطان، ثم تُترك البلاد خرابًا، قبل أن ينسحب الغزاة عائدين من حيث جاؤوا.