التلفزيون الأردني: حين تُكافأ السخافة ويُحاصَر المعنى

كتب - بلال اب وقريق خريسات

لم يكن التلفزيون الأردني في جوهره مؤسسة بث عادية أو مرفقًا إداريًا تابعًا، بل كان أحد الأعمدة الثقافية للدولة، ومساحة سيادية لإنتاج المعنى، وحاضنة للدراما بوصفها مرآة المجتمع وسجلًا للهوية الوطنية. عبره تشكّلت ذاكرة عامة، وتكوّن خطاب يعرف ماذا يقول عن نفسه، وكيف يرى مجتمعه، وكيف يقدّم صورته.

غير أن ما يعيشه التلفزيون اليوم لا يمكن توصيفه كتراجع طبيعي أو أزمة موارد. ما يجري هو انهيار في المعايير، وانقلاب كامل في منظومة القيم التي كانت تحكم العمل الإعلامي. لم تعد الكفاءة قيمة، ولا التجربة رصيدًا، ولا الاسم المحترم إضافة. على العكس، أصبح العمق عبئًا، والسؤال خطرًا، والمعنى تهديدًا.

في هذا السياق، من الضروري تصويب الفهم:
الإدارة لا تبحث عن الدراما بوصفها مشروعًا ثقافيًا أو فنيًا، بل تبحث صراحة عن الدراما السخيفة؛ الدراما التي لا تطرح سؤالًا، ولا تعكس مجتمعًا، ولا تمتلك أي حسّ معرفي أو جمالي. دراما خفيفة إلى حد التفاهة، لأنها آمنة، ولا تُحرج أحدًا، ولا تستدعي مساءلة.

وهنا يظهر الدور الحاسم لمجلس الإدارة، الذي كان يُفترض أن يكون حامي الرؤية، فإذا به يتحول إلى مظلة لسياسة معكوسة:
سياسة تُكافئ الرداءة، وتحارب الجدية، وتتعامل مع السخافة باعتبارها خيارًا إداريًا مريحًا لا يتطلب تفكيرًا ولا محاسبة.

الوقائع واضحة ولا تحتاج تأويلًا.
مئات الآلاف صُرفت على أعمال درامية وبرامجية هزيلة، من دون إعلان، ومن دون دعوة، ومن دون منافسة. تلزيم مباشر لشركات محددة، بلا شفافية، وبلا تفسير، وبلا أي مسار مهني مفهوم. والدليل الصارخ هو الدورة البرامجية الأخيرة التي نُفّذت عبر شركات لم تُعلن، ولم تُدعَ، ولم تُقارن، بل جرى التعامل معها كأمر واقع.

في المقابل، حين يتقدم كاتب أو منتج محترم، صاحب اسم وتاريخ ومشروع واضح، تبدأ المسرحية المعتادة.
لجان ولجان.
ملاحظات لا تنتهي.
شروط متغيرة.
طلبات متناقضة.
إعادة تقديم.
إعادة تقييم.
إعادة تأجيل.

ليس لأن المشروع ضعيف، بل لأن صاحبه غير مرغوب.
لأنه لا يُجيد الانحناء.
لأنه لا يدخل من باب الشهوة والغرائز.
لأنه لا يقدّم إبداعه كقربان إذلال.

اللجان هنا لا تُستخدم لضبط الجودة، بل كسلاح تعطيل وإرهاق وإهانة. أداة بيروقراطية لتكسير المعنويات، ودفع صاحب المشروع إما للانسحاب، أو للتنازل عن كرامته قبل فكرته. وفي النهاية، يُرفض المشروع بحجج واهية، بينما تمرّ أعمال أقل كلفة فكرية، وأكثر كلفة مالية، بلا أي سؤال.

هذا التناقض ليس خللًا إداريًا، بل سياسة ثابتة. سياسة تبحث عن الصغار بمستواهم، لأنهم لا يُربكون، ولا يسألون، ولا يملكون تاريخًا يفرض احترامه. أما المحترمون، فلا مكان لهم في حسابات تُدار بمنطق الشهوة لا المسؤولية.

والأخطر من كل ذلك هو سؤال المساءلة الغائب:
كيف تُصرف هذه الأموال؟
من يقرّر؟
من يوقّع؟
وأين المسؤول الذي يسأل الإدارة: لماذا هذا التلزيم؟ ولماذا هذا الإقصاء؟

الإجابة، كما يعرفها الجميع داخل المؤسسة، تُحسم في نقطة واحدة: القرار النهائي عند رئيس مجلس الإدارة. هناك تتوقف الأسئلة، وتُغلق الملفات، وتُمرَّر التلزيمات، وتُمنح الحصانة غير المعلنة لمسار لا يخضع لحسيب ولا رقيب.

ضمن هذا المشهد، لم يكن انسحاب الكتّاب والمنتجين المحترمين فعل ضعف، بل فعل كرامة. انسحبوا لأنهم أدركوا أن وجودهم يُزعج، وأن أسماءهم لا تُستخدم إلا إذا خضعت، وأن تاريخهم لا قيمة له في منظومة تكافئ السخافة وتعاقب المعنى.

لكن هذا الانسحاب ترك فراغًا خطيرًا. فراغًا لم يُملأ بمشروع بديل، بل بسطحية مكرّسة، ومحتوى آمن، وشاشة تخشى الذكاء أكثر مما تخشى الفساد، وتخاف من السؤال أكثر مما تخاف من الهدر.

لا يمكن لمؤسسة إعلامية وطنية أن تستمر وهي تُدار بهذه المعادلة.
ولا يمكن لدراما أن تنهض في بيئة تُحارَب فيها الجدية، ويُكافَأ فيها العبث.
ولا يمكن لدولة أن تحمي وعيها عبر شاشة تُدار بلا مساءلة.

استعادة التلفزيون الأردني لا تبدأ بتغيير برامج أو وجوه، بل بسؤال واحد لم يُطرح بعد بجدية:
من يحاسب من؟
وما لم يُطرح هذا السؤال علنًا، ستبقى الدراما الأردنية محاصَرة، وسيبقى المحترمون خارج المشهد، وستبقى السخافة هي الخيار الأسهل… والأغلى كلفة على الوعي والمال العام.