سرنا الأردني الكبير
جهاد المومني
تحيط بنا النيران من كل جانب، بعضها خامد كامن تحت الرماد ينتظر الفرصة للاشتعال، ونيران أخرى تستعر خلف حدودنا، من غزة إلى السودان إلى الصومال مروراً باليمن ثم العراق وسوريا وصولاً إلى لبنان وأخيراً ولا يبدو انه آخراً الضفة الغربية المحتلة وإسرائيل التي هي سبب كل مصائب المنطقة العربية..
كيف ينجو الأردن من كل هذه الصراعات؟ سؤال لا يحير الأصدقاء فقط، بل والأعداء ايضاً، فما الذي يميزنا عن سوانا حتى نكون في قلب النار ولا نصطلي بحريقها؟ في الإجابة عن هذا السؤال دعونا كأردنيين نتحلى ببعض الثقة في تفسير أسباب النجاة في منطقة تغلي طوال الوقت، لنقل لمن يسأل عن سرنا الكبير ان لنا وصفة أردنية خاصة في درء المخاطر والمحافظة على بلدنا، لنقلها مدوية كما هي حتى لو أظهرتنا فخورين وواثقين اكثر مما يجب، فنحن لسنا كغيرنا والدولة الأردنية ليست كسواها وقيادتنا السياسية مختلفة ولا مثيل لتميزها.
في هذا المثلث المتماسك يكمن السر ومصدر القوة التي جعلت من الأردن معافى من أمراض المنطقة وأوبئتها السياسية التي تتفشى كالنار في الهشيم، ففي الأردن لا صراع على السلطة بل قناعة مطلقة عند الجميع ان السلطة بأيد أمينة، وفي الأردن لا مؤامرة تطل برأسها إلا ويقطع قبل ان تتوالد، وفي الأردن لا ثأر بين الحكم والشعب فالتاريخ شاهد على حالة من الود المتبادل قل نظيرها في العالم.
الأردنيون عروبيون قوميّون ومؤمنون وليسوا حاضنة تطرف وغلو ويكرهون من يحتكر الحقيقة ويدعي ايماناً أنقى من إيمانهم، والدولة الأردنية صديقاًً لا خصماً للشعب كي ينقض عليها إذا ما سنحت الفرصة ونجح الأعداء والعملاء في زرع بذرة فتنة في مجتمعنا الأردني الكاره الطارد للفتن صغيرها وكبيرها وسرعان ما يئد الدسائس قبل ان تورق وتثمر، الدولة حازمة لا تتهاون في أمنها وتمارس سياسة وقائية في تجفيف منابع الخطر، أما مصدر قوتنا الأهم الجامع لبقية عوامل القوة والاستقرار فهو النظام السياسي وقيادة هذا البلد، نظام حليف للشعب يرعى مصالحه ويكترث لهمومه ويصطف إلى جانبه في مواجهة كل التحديات الخارجية والداخلية، فاذا قصرت الحكومات في عملها أطاحها وكلف غيرها ببرنامج عمل مبتدأه وخبره مصالح الأردن،واذا أخلّ البرلمان بموازين المعادلة الأردنية وتغول على صلاحياته وأصبح عبئاً لا طائل من وجوده اصدر الأمر بحله، واذا واجه الأردن التهديدات الخارجية أزال الخطر بحكمة وحنكة دون سفك قطرة دم واحدة.
سر نجاتنا من حرائق المنطقة أصبح على كل لسان فهذا الأردن مثال على الاستقرار يحترمه المجتمع الدولي وتحلم بنموذجه الشعوب المقهورة بالظلم والجوع والبؤس والاحتراب، لا سر نخفيه ولا خلطات سحرية، بل هو الحب الذي يكنه الأردنيون لبلدهم وحرصهم على أمنه واستقراره، مشاعر صادقة سرعان ما تتفجر انتماءً وفخراً عند اول امتحان لها، لا ضغائن ولا بؤر حقد تعشعش في الزوايا المظلمة، لأنه ما من زوايا مظلمة في الأردن من شماله إلى جنوبه، لا تنظيمات ولا فصائل ولا جماعات خارج القانون، تعلمنا من محن الآخرين ان الدولة هي التنظيم الوحيد الذي يدير شؤون البلد، والجيش العربي والأجهزة الأمنية هي المرجع الوحيد لأمن البلاد والعباد، وتعلمنا من التاريخ ان جيوب التمرد تبدأ بقلم او قول خبيث وزمرة من المغرر بهم تجمعهم مصلحة التخريب لغايات التغيير لما يخدم مصالحهم، وتعلمنا من تجاربنا إلا ننتظر استفحال المرض فإما دواء يشفي وإما جراحة تجتز حوصلة الداء من جذرها، وقد كنا السباقين دوماً إلى استئصال الورم قبل انتشاره ومن مدرستنا تعلمت شعوب ودول بعضها كبرى لأن المدرسة الأردنية في حفظ الأمن ورؤية المستقبل بعيون وعقول مدركة لحجم الخطر باتت مثالاً يحتذى، فالدولة هي الدولة والقانون هو القانون والدستور هو الحكم والمرجع لكل الأردنيين، بمؤسساتهم الوطنية وأحزابهم السياسية وشؤونهم الدنيوية والدينية، لا احد ولا جهة تملك الوصاية على إيمان الأردنيين بربهم وانتمائهم الراسخ لدينهم، ولا احد ينظم هذه العلاقة ويديرها إلا الدولة بمؤسساتها المختصة ومرجعياتها الدينية المعروفة والمعلنة.
نعم، تحيط بنا النيران من كل جانب، ويسألونك في الغرب والشرق والجنوب والشمال، كيف لا تمسكم حرائق المنطقة،؟ قل وأنت مرتاح الضمير ان الله معنا لأننا مع الله ومع انفسنا ومع الأشقاء والأصدقاء لا نخذلهم، ولأننا مع بلدنا في سرائه وضرائه جند في حراسته وبناة لمجده ومستقبله، خبراء مهرة في ميادين العلم والمعرفة،كرماء نبلاء ذوي نخوة ننصر المظلوم ولا نتخاذل عن تقديم ما لدينا لإغاثة الملهوف، نشعر بما يشعر ونحزن لحزنه ونفرح لفرحه، فلا غرابة ان لنا من المحبين اكثر كثيراً من الباغضين، ولنا من الأصدقاء عشرات أضعاف الأعداء، نحن لا نتآمر على احد، ولا نعتدي على جوارنا، ولا نشن حملات الدس والتحريض ضد الآخرين، لا نرسل طائرات مسيرة محملة بالمخدرات عبر الحدود ولا سيارات مفخخة إلى مدن وعواصم الدول الأخرى، نحن لا نجنّد المرتزقة ولا نمول عصابات القتل ولا نغمض أعيننا عن بؤر الإرهاب بل ندمرها في الوقت المناسب، نحن دولة تحترم القوانين الدولية ومواثيق الأمم المتحدة ونعمل من أجل السلام والاستقرار ونحترم سيادة الدول وحقوق الشعوب في تقرير مصيرها ومستقبلها.
هؤلاء هم نحن وهذا هو سرنا الكبير.