شماغ جميل وعقال عازر
بشار جرار
الأردنيون أوّابون. وهذا فارس من الحصن يترجّل ويرحل بقلمه وطلته الوقورة وصوته الرخيم، بعد طول اغتراب في بريطانيا وقطر، يترجّل عن صهوة جواده الحر أوّابا إلى موطنه الأردني في الحصن، إلى قبر والديه كما أوصى.
رحم الله الأستاذ جميل عازر. لم أكن لأتخيل والملايين الذين تابعوا عبر نصف قرن مشواره الصحفي وتتلمذوا في مدرسته الإعلامية، ومشاهدوه في سائر أرجاء المعمورة، لم نكن لنتخيل أن تكون الإطلالة الأخيرة له وهو مسجّى بين الورود أمام المذبح المقدّس في كنيسة الوطن الأم، شمال المملكة.
شكرا للأخوين جميل النمري وحسين الشوبكي -مع حفظ الألقاب- لمشاركتهما المعتزين بصاحب «الرأي والرأي الآخر» لحظات الوداع والمشهد المهيب. تابعت كغيري -ربما بحرقة من نوع خاص- تلك القامة الباسقة وقد سجّي جثمانه الطاهر بين الورود البيضاء، وأمام كاهن يضع على كتفيه راية الفداء والقيامة، البنفسجية» الليلكية»، وقد ازدان طرفا الراية المسدلان على المنكبين بصليب القدس، ذلك الصليب الخماسي الذي حمل اسم المدينة العتيقة، مدينة العِتْق لا العَبَق فحسب، بتميزه صليبا كبيرا يرمز إلى السيد المسيح في المركز، ومن حوله في الزوايا الأربع أربعة صلبان صغيرة ترمز إلى الأناجيل الأربعة إلى البشارة، يوحنا ولوقا ومَتّى ومُرقُص.
قد أحسن موقع مدينة الحصن على الفيسبوك، وهكذا يكون التواصل الاجتماعي في أبهى صوره الإنسانية والوطنية، أحسن عندما اقتصر التغطية في منشوره على بضع صور من وداع الأستاذ القدير لكنيسته ومدينته وجمهوره. أكثر ما استوقفني تلك الصورة التي أحسن المصور التقاطها من الزاوية التي تليق بالمكان والحدث وصاحب الخبر الأليم الذي لربما حرص أن يوافينا بآخر وأهم أنبائه العاجلة.
بلا صوت ولا فيديو، بلا مؤثرات، وضعتني تلك الصورة المميزة وأنا على بعد آلاف الأميال، وضعتني بالقرب من المصلين، إلى جانب من تقبلوا العزاء والمعزين. كانت الطلة الأخيرة من الأعلى، كانت أيضا جانبية، هكذا كان يكسر الحاجز من الدوحة عند الحديث مع جمهوره في مشارق الأرض ومغاربها وليس فقط في «بلاد العرب أوطاني». لم يكن وجاهيا مواجها كما نذكر، كان دائما يتقدّم بكتفه على الآخر، كما في أداء الجلوس الذي يحرص عليها الكبار في حضرة الكبار أيا كان الحضور والمقام والمقال. لم ير الناظر إلى تلك الصورة المفعمة بمشاعر المحبة والتقدير، لم ير الرّائي عن بٌعد سوى شماغ جميل وعقال عازر، رأيناهم وهو مسجى بين ورود بيضاء ناصعة أوراقها، يانعة الخَضار، وعلى صدره مسبحته الوردية.
نعلم كأردنيين، ويعلم محبو الأردن من داخل السلك الدبلوماسي وخارجه، ولست أعلم إن شارك سفيرا بريطانيا وقطر في وداع الجميل عازر، نعلم أن من بين المعزين والمصلين دائما من إخوتنا الأردنيين المسيحيين من يدخلون إلى بيت الله بلا عقال، توكيدا للاحترام وقداسة المكان وبركاته، وهو التراث الروحي والتقليد الاجتماعي الراسخ لدى المسلمين أيضا، حيث تحرص الغالبية على الوقوف بين يديه سبحانه، بلا عقال أيضا.
ولمن أحب إدراك الرمز والرسالة في وداع الأستاذ «أبو دلال» من حيث احتفاظه بالشماغ المهدّب الأحمر الأبيض والعقال الأسود يعتلي هامته وجبهته، فإنه وبحسب الإيمان المسيحي من الطوائف كافة، إنه الرُّقاد على رجاء القيامة، وهو الاستعداد للقاء الباري عزّ وجلّ في أبهى صورة وأنقاها وأسماها.
«مع الملائكة والقديسين والأبرار» لمن ولد في الناصرة الوادعة غرب نهر أردننا المقدس، لمن حرص كمؤمن برسالة يسوع الناصريّ، أن يكون آخر عهده بدنيانا من الحصن.. من الحِصن الموئل، من الحُصُن المنارة، من المملكة الأردنية الهاشمية، حفظها الله وأدامها، نورا ونارا. تنير الدرب بقاماتها الأردنية الفذة، المعطاءة في الميادين كافة، وتوقد نارا «للضيفان» إطعاما وإكراما، ونارا حارقة لمن أكل الزاد وما صان، ولمن غدر وخان. في الأيام الفارقة في هذا الزمن البالغ الحساسية، كم نفتقد تلك القامات المهاجرة الأوّابة من المهد إلى اللحد..